علي محمد علي دخيل

85

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أرضه ، وخليفة رسول اللّه ، وخليفة كتابه ، ثم أمر سبحانه بالجماعة ، وترك التفرق فقال سبحانه : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا في الدين وهم اليهود والنصارى وَاخْتَلَفُوا معناه : كالذين تفرقوا بالعداوة ، واختلفوا في الديانة مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي الحجج والكتب ، وبيّن لهم الطرق وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ عقوبة لهم على تفرقهم واختلافهم بعد مجيء الآيات والبينات . 106 - 107 - يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ أخبر سبحانه بوقت ذلك العذاب ، أي ثبت لهم العذاب في يوم هذه صفته ، وإنما تبيض فيه الوجوه للمؤمنين ثوابا لهم على الإيمان والطاعة ، وتسوّد فيه الوجوه للكافرين عقوبة لهم على الكفر والسيئات ، بدلالة ما بعده وهو قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي يقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ، واختلفوا فيمن عنوا به على أقوال : ( أحدها ) انهم الذين كفروا بعد إظهار الإيمان بالنفاق ( وثانيها ) انهم جميع الكفار لاعراضهم عما وجب عليهم الإقرار به من التوحيد حين أشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى ، فيقول : أكفرتم بعد إيمانكم ( وثالثها ) هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة عن علي ( ع ) ويروى عن النبي ( ص ) أنه قال : والذي نفسي بيده ليردن عليّ الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني فلأقولن : أصحابي أصحابي أصحابي فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعد إيمانهم ، ارتدوا على أعقابهم القهقرى ، ذكره الثعلبي في تفسيره فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ومعناه : انظروا ما صار إليه عاقبتكم من عذاب اللّه بما كنتم تكفرون ، أي بكفركم وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ وهم المؤمنون فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي جنة اللّه هُمْ فِيها خالِدُونَ دل على خلودهم فيها . 108 - 109 - تِلْكَ آياتُ اللَّهِ أي تلك التي قد جرى ذكرها حجج اللّه وعلاماته وبيّناته نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ نقرأها عليك بالحق يا محمد ( ص ) وعلى أمتك ، ونذكرها لك ، ونعرفك إياها ، ونقصّها عليك بِالْحَقِّ أي بالحكمة والصواب وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ معناه : لا يظلمهم بأن يحملهم من العقاب ما لم يستحقوه ، أو ينقصهم من الثواب عما استحقوه ثمّ ذكر سبحانه وجه غناه عن الظلم فقال : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وملكا وخلقا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ إن اللّه تعالى قد ملّك عباده في الدنيا أمورا ، وجعل لهم تصرفا ، ويزول جميع ذلك في الآخرة ويرجع إليه كله كما قال : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ . 110 - كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ إنّ كان بمعنى صار ومعناه : صرتم خير أمة خلقت لأمركم بالمعروف ، ونهيكم عن المنكر ، وإيمانكم باللّه ، فتصير هذه الخصال على هذا القول شرطا في كونهم خيرا ، ثم ذكر مناقبهم فقال : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بالطاعات وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ عن المعاصي وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي بتوحيده وعدله ودينه وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ أي لو صدّقوا بالنبي ( ص ) وبما جاء به لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي لكان ذلك الإيمان خيرا لهم في الدنيا والآخرة ، لأنهم ينجون به في الدنيا من القتل ، وفي الآخرة من العذاب ، ويفوزون بالجنة مِنْهُمُ أي من أهل الكتاب الْمُؤْمِنُونَ أي المعترفون بما دلّت عليه كتبهم من صفة نبينا ، وبالبشارة به كعبد اللّه بن سلام وأصحابه من اليهود ، والنجاشي وأصحابه من النصارى وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون . 111 - 112 - لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وعد اللّه المؤمنين