علي محمد علي دخيل

832

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

من شدّة حرّه وقوله : ما خلق عام في جميع ما خلقه اللّه تعالى ممن يجوز أن يحصل منه الشر وتقديره : من شرّ الأشياء التي خلقها اللّه تعالى مثل السباع والهوام والشياطين وغيرها وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ أي ومن شرّ الليل إذا دخل بظلامه ، وعلى هذا فيكون المراد من شرّ ما يحدث في الليل من الشر والمكروه ، وإنما اختصّ الليل بالذكر لأن الغالب أن الفساق يقدمون على الفساد بالليل ، وكذلك الهوام والسباع تؤذي فيه أكثر ؛ وأصل الغسق : الجريان بالضرر وقيل : إن معنى الغاسق : كل هاجم بضرورة كائنا ما كان وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ معناه : ومن شرّ النساء الساحرات اللاتي ينفثن في العقد عن الحسن وقتادة ، وإنما أمر بالتعوذ من شرّ السحرة لإيهامهم أنهم يمرضون ويصحون ويفعلون شيئا من النفع والضر والخير والشر ، وعامة الناس يصدّقونهم فيعظم بذلك الضرر في الدين ، ولأنهم يوهمون أنهم يخدمون الجن ، ويعلمون الغيب ، وذلك فساد في الدين ظاهر ، فلأجل هذا الضرر أمر بالتعوذ من شرهم وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ فإنه يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود ، فأمر بالتعوذ من شرّه وقيل : انه أراد من شرّ نفس الحاسد ومن شرّ عينه فإنه ربما أصاب بهما فعاب وضر ، وقد جاء في الحديث ان العين حق وقد مضى الكلام فيه ، وروى أنس ان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان كثيرا ما يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام بهاتين السورتين وقال بعضهم : ان اللّه سبحانه جمع الشرور في هذه السورة وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسّ الطبائع ، سورة الناس مدنية وآياتها ست آيات 1 - 6 - قُلْ يا محمد أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ أي خالقهم ومدبّرهم ومنشئهم مَلِكِ النَّاسِ أي سيّدهم والقادر عليهم إِلهِ النَّاسِ معناه : الذي يجب على الناس أن يعبدوه لأنه الذي تحقّ له العبادة دون غيره مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ معناه : من شرّ ذي الوسواس وهو الشيطان كما جاء في الأثر : انه يوسوس فإذا ذكر العبد ربّه خنس . ثم وصفه اللّه تعالى بقوله الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع . ثم ذكر ان هذا الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس مِنَ الْجِنَّةِ وهم الشياطين كما قال سبحانه : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ، ثم عطف بقوله وَالنَّاسِ على الوسواس والمعنى : من شرّ الوسواس ومن شرّ الناس ، كأنّه أمر أن يستعيذ من شرّ الجن والإنس قال مجاهد : الخناس : الشيطان ، إذا ذكر اسم اللّه سبحانه خنس وانقبض ، وإذا لم يذكر اللّه انبسط على القلب ويؤيده ما روي عن أنس بن مالك أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : ان الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر اللّه سبحانه خنس ، وإذا نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس وقيل : الخناس معناه : الكثير الاختفاء بعد الظهور ، وهو المستتر المختفي من أعين الناس لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين وقيل : ان معنى قوله يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ : يلقي الشغل في قلوبهم بوسواسه وفيه إشارة أيضا إلى أنه سبحانه يراعي حال من يتعوذ به فيكفيه شرورهم ، ولولا ذلك لما دعاه إلى التعوذ به من شرورهم . ولما وصف سبحانه نفسه بأنه الرب الإله الغني عن الخلق ، فإن من احتاج إلى غيره لا يكون إلها ، ومن كان غنيّا عالما لغناه لا يختار فعل القبيح ، ولهذا حسنت الاستعاذة به من شرّ غيره ؛ وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : ما من مؤمن إلّا ولقلبه في صدره اذنان : أذن ينفث فيها الملك ، وأذن ينفث فيها الوسواس الخنّاس ، فيؤيّد اللّه المؤمن بالملك وهو قوله سبحانه : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ .