علي محمد علي دخيل
807
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قبضة اللّه وسلطانه لا يفوتونه كالمحاصر المحاط به من جوانبه لا يمكنه الفوات والهرب ، وهذا من بلاغة القرآن بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ أي كريم لأنه كلام الرب ، أي ليس هو كما يقولون من أنه شعر أو كهانة وسحر ، بل هو قرآن كريم عظيم الكرم فيما يعطي من الخير جليل الخطر والقدر فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ من التغيير والتبديل والنقصان والزيادة . سورة الطارق مكية وآياتها سبع عشرة آية 1 - 17 - أقسم اللّه سبحانه فقال وَالسَّماءِ أي بالسماء وَالطَّارِقِ وهو الذي يجيء ليلا وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ وذلك ان هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلا ولم يكن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يدري ما المراد لو لم يبيّنه بقوله النَّجْمُ الثَّاقِبُ أي هو الكوكب المضيء ، ويريد به العموم وهو جماع النجوم عن الحسن وقيل : هو زحل ، والثاقب : العالي على النجوم وجواب القسم قوله إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ أي ما كلّ نفس إلّا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها وفعلها ، ويحصي ما يكتسبه من خير وشرّ . ثم نبّه سبحانه على البعث بقوله فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ يعني المكذب بالبعث مِمَّ خُلِقَ أي فلينظر نظر التفكر والاستدلال من أيّ شيء خلقه اللّه ، وكيف خلقه وأنشأه ؟ حتى يعرف ان الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته . ثم ذكر من أيّ شيء خلقه فقال خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ أي من ماء مهراق في رحم المرأة ، يعني المني الذي يكون منه الولد . ثم وصف سبحانه ذلك الماء فقال يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ وهو موضع القلادة من الصدر . قال عطاء : يريد صلب الرجل وترائب المرأة ، والولد لا يكون إلّا من الماءين إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يعني ان الذي خلقه ابتداء من هذا الماء يقدر على أن يرجعه حيّا بعد الموت يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ أي انه قادر على بعثه يوم القيامة ، ومعنى الرجع : ردّ الشيء إلى أول حاله ، والسرائر : أعمال بني آدم ، والفرائض التي أوجبت عليه ، وهي سرائر بين اللّه والعبد ، وتبلى : أي تختبر تلك السرائر يوم القيامة حتى يظهر خيرها من شرّها ، ومؤدّيها من مضيعها ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ضمن اللّه خلقه أربع خصال ؛ الصلاة والزكاة وصوم رمضان والغسل من الجنابة وهي السرائر التي قال اللّه : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ؛ و عن معاذ ابن جبل قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما هذه السرائر التي تبلى بها العباد في الآخرة ؟ فقال : سرائركم هي أعمالكم من الصلاة والصيام والزكاة والوضوء والغسل من الجنابة وكل مفروض ، لأن الأعمال كلها سرائر خفية فإن شاء قال الرجل : صليت ولم يصل ، وإن شاء قال : توضأت ولم يتوضأ ، فذلك قوله يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ وقيل : يظهر اللّه أعمال كل أحد لأهل القيامة حتى يعلموا على أيّ شيء أثابه ، ويكون فيه زيادة سرور له ، وان يكن من أهل العقوبة يظهر عمله ليعلموا على أيّ شيء عاقبه ، ويكون ذلك زيادة غم له ؛ والسرائر ما أسرّه من خير أو شرّ ، وما أضمره من إيمان أو كفر فَما لَهُ أي فما لهذا الإنسان المنكر للبعث والحشر مِنْ قُوَّةٍ يمتنع بها من عذاب اللّه وَلا ناصِرٍ ينصره من اللّه ، والقوة : هي القدرة . ثم ذكر سبحانه قسما آخر تأكيدا لأمر القيامة فقال وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ أي ذات المطر عن أكثر المفسرين ، وقيل : يعني بالرجع شمسها وقمرها ونجومها ، تغيب ثم تطلع ، عن ابن زيد ، ورجع السماء : إعطاؤها الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان فترجع