علي محمد علي دخيل

805

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الأفق وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ أي وما جمع وضمّ مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه ، وذلك ان الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ أي إذا استوى واجتمع وتكامل وتمّ . قال الفراء : اتساقه امتلاؤه واجتماعه واستواؤه لثلاث عشرة إلى ست عشرة لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ هذا جواب القسم ، أي لتركبن يا محمد سماء بعد سماء تصعد فيها ، ويجوز أن يريد درجة بعد درجة ، ورتبة بعد رتبة في المقربة من اللّه ، ورفعة المنزلة عنده . ثم قال سبحانه على وجه التقريع لهم والتبكيت فَما لَهُمْ عني كفار قريش لا يُؤْمِنُونَ بمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والقرآن والمعنى : أيّ شيء لهم إذا لم يؤمنوا ؟ وهو استفهام إنكار ، أي لا شيء لهم من النعيم والكرامة إذا لم يؤمنوا وقيل معناه : فما وجه الارتياب الذي يصرفهم عن الإيمان ، وهو تعجب منهم في تركهم الإيمان ، والمراد : أيّ مانع لهم ، وأيّ عذر لهم في ترك الإيمان مع وضوح الدلائل وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ عطف على قوله : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي ما الذي يصرفهم عن الإيمان وعن السجود للّه تعالى إذا تلي عليهم القرآن وقيل معنى لا يسجدون لا يصلون للّه تعالى عن عطا والكلبي ؛ وفي خبر مرفوع عن أبي هريرة قال : قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ فسجد ثم قال سبحانه بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أي لم يتركوا الإيمان لقصور في البيان ، أو لانقطاع من البرهان ، لكنهم قلدوا أسلافهم ورؤساءهم في التكذيب بالرسول والقرآن وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ أي يجمعون في صدورهم ، ويضمرون في قلوبهم من التكذيب والشرك ، عن ابن عباس وقتادة ومقاتل وقيل : بما يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة عن ابن زيد . قال الفراء : أصل الإيعاء جعل الشيء في وعاء ، والقلوب أوعية لما يحصل فيها من علم أو جهل ؛ وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها . ثم قال فَبَشِّرْهُمْ يا محمد بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي اجعل ذلك لهم بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة . ثم استثنى سبحانه المؤمنين من جملة المخاطبين فقال إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي غير منقوص ولا مقطوع ، لأن نعيم الآخرة غير منقطع عن ابن عباس ، وقيل ؛ غير منقص ولا مكدر بالمنّ . وقيل : ليس لأحد عليها منة فيما يكسب ، وفي قوله سبحانه : فما لهم لا يؤمنون ولا يسجدون . دلالة على أن الإيمان والسجود فعلهم ، لأن الحكيم لا يقول ما لك لا تؤمن ولا تسجد لمن يعلم أنه لا يقدر على الإيمان والسجود ، ولو وجد ذلك لم يكن من فعله ، ويدلّ قوله : لا يسجدون على أن الكفار مخاطبون بالعبادات سورة البروج مكية آياتها اثنتان وعشرون آية 1 - 22 - ان اللّه سبحانه أقسم بالسماء فقال وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ فالبروج : المنازل العالية ، والمراد هنا منازل الشمس والقمر والكواكب ، وهي اثنا عشر برجا يسير القمر في كل برج منها يومين وثلاث ، وتسير الشمس في كل برج شهرا وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يعني يوم القيامة في قول جميع المفسرين ، وهو اليوم الذي يجازى فيه الخلائق ، ويفصل فيه القضاء وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ الشاهد : يوم الجمعة ، والمشهود : يوم عرفة ، وسمي يوم الجمعة شاهدا لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه ، وفي الحديث : ما طلعت الشمس على يوم ولا غربت على يوم أفضل منه ، وفيه ساعة لا يوافقها من يدعو فيها اللّه بخير إلّا استجاب له ، ولا استعاذ من شرّ إلّا أعاذه منه ،