علي محمد علي دخيل
803
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
رَحِيقٍ أي خمر صافية خالصة من كل غش مَخْتُومٍ في الآنية بالمسك ، وهو غير الخمر التي تجري في الأنهار ، ثم فسّر المختوم بقوله خِتامُهُ مِسْكٌ اي آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه عن آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك . ثم رغّب فيها فقال وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ أي فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة اللّه تعالى ، ومثله قوله سبحانه : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ؛ وفي الحديث : من صام للّه في يوم صائف سقاه اللّه على الظمأ من الرحيق المختوم ، و في وصية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام : من ترك الخمر للّه سقاه اللّه من الرحيق المختوم وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ أي ومزاج ذلك الشراب الذين وصفناه وهو ما يمزج به من تسنيم ، وهو عين في الجنة وهو أشرف شراب في الجنة . وروى ميمون ابن مهران أن ابن عباس سئل عن تسنيم فقال : هذا مما يقول اللّه عزّ وجل فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ، ونحو هذا قول الحسن : خفايا أخفاها اللّه لأهل الجنة وقيل : هو شراب ينصبّ عليهم من علو انصبابا وقيل : هو نهر يجري في الهواء فينصب في أواني أهل الجنة بحسب الحاجة عن قتادة . ثم فسّره سبحانه فقال عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ أي هي خالصة للمقربين يشربونها صرفا ، ويمزج لسائر أهل الجنة إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني كفار قريش ومترفيهم كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يَضْحَكُونَ على وجه السخرية بهم والاستهزاء في دار الدنيا وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يعني وإذا مرّ المؤمنون بهؤلاء المشركين يَتَغامَزُونَ بأن يشير بعضهم إلى بعض بالأعين والحواجب استهزاء بهم وقيل : نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فنزلت الآية قبل أن يصل عليّ عليه السلام وأصحابه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وذكر الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : إن الذين أجرموا منافقو قريش ، والذين آمنوا عليّ بن أبي طالب عليه السلام وأصحابه وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ يعني وإذا رجع هؤلاء الكفار إلى أهلهم رجعوا معجبين بما هم فيه ، يتفكهون بذكرهم وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ عن طريق الحق والصواب ، تركوا التنعم رجاء ثواب لا حقيقة له خدعهم به محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ثم قال سبحانه وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ أي ولم يرسل هؤلاء الكفار حافظين على المؤمنين ما هم عليه ، وما كلفوا حفظ أعمالهم فَالْيَوْمَ يعني يوم القيامة الذي يجازي اللّه كل أحد على عمله الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ كما ضحك الكفار منهم في الدنيا ، وذلك أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة ويقال لهم : اخرجوا إليها فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم ، يفعل ذلك بهم مرارا فيضحك منهم المؤمنون عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ يعني المؤمنين ينظرون إلى عذاب أعدائهم الكفار على سرر في الحجال . ثم قال سبحانه هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ أي هل جوزي الكفار إذا فعل بهم هذا الذي ذكره على ما كانوا يفعلونه من السخرية بالمؤمنين في الدنيا ؟ وهو استفهام يراد به التقرير ، وثوب : بمعنى أثيب . سورة الانشقاق مكية آياتها خمس وعشرون آية 1 - 25 - إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ أي تصدّعت وانفرجت ،