علي محمد علي دخيل

798

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

واحد من هؤلاء لعظم ما هو فيه وشغله بنفسه وإن كان في الدنيا يعتني بشأنهم ، وقيل : يفرّ منهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التبعات والمظالم وقيل : لعلمه بأنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا ، ويجوز أن يكون مؤمنا وأقرباؤه من أهل النار فيعاديهم ولا يلتفت إليهم ، أو يفرّ منهم لئلا يرى ما نزل بهم من الهوان لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أي لكل إنسان منهم أمر عظيم يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم ، ومعنى يغنيه : يكفيه من زيادة عليه ، أي ليس فيه فضل لغيره لما هو فيه من الأمر الذي قد اكتنفه وملأ صدره فصار كالغني عن الشيء في أمر نفسه لا ينازع إليه ؛ وروي عن عطاء بن يسار عن سودة زوجة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : يبعث الناس عراة حفاة غرلا يلجمهم العرق ويبلغ شحمة الآذان قالت : قلت : يا رسول اللّه وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض ؟ قال : شغل الناس عن ذلك ، وتلا رسول اللّه لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ . ثم قسّم سبحانه أحوال الناس في ذلك اليوم فقال وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ أي مشرقة مضيئة ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ من سرورها وفرحها بما أعدّ لها من الثواب ، وأراد بالوجوه أصحاب الوجوه وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ أي سواد وكآبة للهمّ تَرْهَقُها أي تعلوها وتغشاها قَتَرَةٌ أي سواد أو كسوف عند معاينة النار وقيل : إن الغبرة ما انحطت من السماء إلى الأرض ، والقترة ما ارتفعت من الأرض إلى السماء عن زيد بن أسلم أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ في أديانهم الْفَجَرَةُ في أفعالهم واستدلت الخوارج بذلك على أن من ليس بمؤمن لا بدّ أن يكون كافرا فإن اللّه سبحانه قسم الوجوه هذين القسمين ولا تعلّق لهم به لأنه سبحانه ذكر هنا قسمين من الوجوه متقابلين : وجوه المؤمنين ووجوه الكفار ، ولم يذكر وجوه الفساق من أهل الصلاة ، فيجوز أن يكون لها صفة أخرى بأن يكون عليها غبرة لا تغشاها قترة ، أو يكون عليها صفرة أو لون آخر . سورة التكوير مكية وآياتها تسع وعشرون آية 1 - 14 - أخبر اللّه سبحانه عن القيامة وشدائدها فقال إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أي ذهب ضوؤها ونورها فأظلمت واضمحلت ، عن ابن عباس وأبي ومجاهد وقتادة ، وقيل : ألقيت ورمي بها ، عن أبي صالح والربيع بن خثيم ، وقيل : جمع ضوؤها ولفّت كما تلفّ العمامة ، عن الزجاج والمعنى : الشمس تكور بأن يجمع نورها حتى تصير كالكارة الملقاة ويذهب ضوؤها ، ويحدث اللّه تعالى للعباد ضياء غيرها وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ أي تساقطت وتناثرت عن مجاهد وقتادة والربيع بن خثيم يقال : انكدر الطائر من الهواء إذا انقض ، وقيل : تغيّرت من الكدورة ، عن الجبائي ، والأول أولى لقوله : وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ، إلا أن تقول : يذهب ضوؤها ثم تتناثر وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ عن وجه الأرض فصارت هباء منبثّا وسرابا وَإِذَا الْعِشارُ وهي النوق الحوامل أتت عليها عشرة أشهر وبعد الوضع تسمى عشارا أيضا ، وهي أنفس مال عند العرب عُطِّلَتْ أي تركت هملا بلا راع وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ أي جمعت حتى يقتص لبعضها من بعض ، فيقتص للجماء من القرناء ؛ ويحشر اللّه سبحانه الوحوش ليوصل إليها ما تستحقه من الأعواض على الآلام التي نالتها في الدنيا ، وينتصف لبعضها من بعض وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أي أوقدت فصارت نارا تضطرم وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أي قرنت نفوس الصالحين من المؤمنين بالحور العين ، وقرنت