علي محمد علي دخيل

765

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لما تخيرونه عند أنفسكم والأمر بخلاف ذلك أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي بل لكم عهود ومواثيق علينا عاهدناكم بها فلا ينقطع ذلك إلى يوم القيامة إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ لأنفسكم به من الخير والكرامة عند اللّه تعالى . ثم قال سبحانه لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم سَلْهُمْ يا محمد أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ يعني أيّهم كفيل بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ معناه : أم لهم شركاء في العبادة مع اللّه وهي الأصنام فليأتوا بهؤلاء الشركاء إن كانوا صادقين في أنها شركاء اللّه يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ أي فليأتوا بهم في ذلك اليوم الذي تظهر فيه الأهوال والشدائد وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ أي يقال لهم على وجه التوبيخ اسجدوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ وقيل معناه : ان شدة الأمر ؛ وصعوبة ذلك اليوم تدعوهم إلى السجود وإن كانوا لا ينتفعون به ، ليس انهم يؤمرون به ، وهكذا كما يفزع الإنسان إلى السجود إذا أصابه هو من أهوال الدنيا خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ أي ذليلة أبصارهم لا يرفعون نظرهم عن الأرض ذلّة ومهانة تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي تغشاهم ذلة الندامة والحسرة وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ أي اصحّاء يمكنهم السجود فلا يسجدون ، يعني انهم كانوا يؤمرون بالصلاة في الدنيا فلم يفعلوا ، وروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السلام أنهما قالا في هذه الآية : أفحم القوم ، ودخلتهم الهيبة ، وشخصت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر لما رهقهم من الندامة والخزي والمذلّة ، وقد كانوا يدعون إلى السجود وَهُمْ سالِمُونَ : أي يستطيعون الأخذ بما أمروا به ، والترك لما نهوا عنه ، ولذلك ابتلوا فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ هذا تهديد معناه : فذرني والمكذبين ، أي كل أمرهم إليّ كما يقول القائل : دعني وإياه يقول : خلّ بيني وبين من يكذب بهذا القرآن ، ولا تشغل قلبك به فإني أكفيك أمره سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي سنأخذهم إلى العقاب حالا بعد حال ، وروي عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال : إذا أحدث العبد ذنبا جدّد له نعمة فيدع الاستغفار فهو الاستدراج وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي وأطيل آجالهم ولا أبادر إلى عذابهم مبادرة من يخشى الفوت ، فإنما يعجل من يخاف الفوت ، إن عذابي لشديد . 46 - 52 - ثم خاطب سبحانه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال على وجه التوبيخ للكفار أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً هذا عطف على قوله : أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ، ذكر سبحانه جميع ما يحتجّ به فقال : أم تسأل يا محمد هؤلاء الكفار أجرا على أداء الرسالة والدعاء إلى اللّه فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ أي هم من لزوم ذلك مُثْقَلُونَ أي محملون الأثقال أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي هل عندهم علم بصحة ما يدعونه اختصوا به لا يعلمه غيرهم فهم يكتبونه ويتوارثونه ؟ وينبغي أن يبرزوه . ثم قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ في إبلاغ الرسالة ، وترك مقابلتهم بالقبيح والمعنى : اصبر إلى أن يحكم اللّه بنصر أوليائك ، وقهر أعدائك وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يعني يونس ، أي لا تكن مثله في استعجال عقاب قومه وإهلاكهم ، ولا تخرج من بين قومك من قبل استعجال عقاب قومه وإهلاكهم ، ولا تخرج من بين قومك من قبل أن يأذن لك اللّه كما خرج هو إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ أي دعا ربّه في جوف الحوت وهو محبوس عن التصرف في الأمور ؛ والذي نادى به قوله : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وقيل : مكظوم : أي مختنق بالغم ، إذ لم يجد لغيظه شفاء لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي لولا أن أدركته رحمة من ربه بإجابة دعائه وتخليصه من بطن الحوت ، وتبقيته فيه حيّا ، وإخراجه منه حيّا لَنُبِذَ أي طرح بِالْعَراءِ أي الفضاء وَهُوَ مَذْمُومٌ ملوم قد أتى بما يلام عليه ، ولكن اللّه تعالى تداركه بنعمة من عنده فطرح بالعراء وهو غير مذموم فَاجْتَباهُ