علي محمد علي دخيل

756

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

سبع مثل السماوات إلا هذه الآية ، ولا خلاف في السماوات أنها سماء فوق سماء ، وأما الأرضون فقد قال قوم انها سبع أرضين بعضها فوق بعض كالسماوات ، وفي كل أرض خلق خلقهم اللّه ، وروى أبو صالح عن ابن عباس : أنها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض ، يفرق بينهن البحار ، ويظل جميعهن السماء . واللّه سبحانه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه ، واشتبه على خلقه وقد روى العياشي بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن عليه السلام قال : بسط كفّه ثم وضع اليمنى عليها فقال : هذه الأرض الدنيا والسماء الدنيا عليها قبة ، والأرض الثانية فوق السماء الدنيا ، والسماء الثانية فوقها قبة . والأرض الثالثة فوق السماء الثانية ، والسماء الثالثة فوقها قبة ، حتى ذكر الرابعة والخامسة والسادسة فقال : والأرض السابعة فوق السماء السادسة ، والسماء السابعة فوقها قبة ، وعرش الرحمن فوق السماء السابعة ، وهو قوله : سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ وإنما صاحب الأمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهو على وجه الأرض ، وإنما يتنزل الأمر من فوق بين السماوات والأرضين فعلى هذا يكون المعنى : تتنزل الملائكة بأوامره إلى الأنبياء وقيل معناه : يتنزل الأمر بين السماوات والأرضين من اللّه سبحانه بحياة بعض وموت بعض ، وسلامة حي وهلاك آخر ، وغنى إنسان وفقر آخر ، وتصريف الأمور على الحكمة لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بالتدبير في خلق السماوات والأرض ، والاستدلال بذلك على أن صانعهما قادر لذاته عالم لذاته وذلك قوله وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ومعناه : أن معلوماته متميزة له بمنزلة ما قد أحاط به ، فلم يفته شيء منها . سورة التحريم مدنية وعدد آيها اثنتا عشرة آية 1 - 5 - يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ناداه سبحانه بهذا النداء تشريفا له ، وتعليما لعباده كيف يخاطبونه في أثناء محاوراتهم ، ويذكرونه في خلال كلامهم لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ من الملاذ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ أي تطلب به رضاء نسائك وهن أحق بطلب مرضاتك منك ، وليس في هذا دلالة على وقوع ذنب منه صغير أو كبير ، لأن تحريم الرجل بعض نسائه أو بعض الملاذ لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح ولا داخلا في جملة الذنوب ، ولا يمتنع أن يكون خرج هذا القول مخرج التوجع له صلّى اللّه عليه وآله وسلم إذا بالغ في إرضاء أزواجه ، وتحمل في ذلك المشقة وَاللَّهُ غَفُورٌ لعباده رَحِيمٌ بهم إذا رجعوا إلى ما هو الأولى والأليق بالتقوى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أي قد قدر اللّه تعالى لكم ما تحلّلون به أيمانكم إذا فعلتموها ، وشرع لكم الحنث فيها لأن اليمين ينحلّ بالحنث فسمّي ذلك تحلة وقيل معناه : قد بيّن اللّه لكم كفارة أيمانكم وقيل معناه : فرض اللّه عليكم كفارة أيمانكم كما قال : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ، أي فعليها ، فسمى الكفارة تحلة لأنها تجب عند انحلال اليمين وَاللَّهُ هو مَوْلاكُمْ أي وليّكم يحفظكم وينصركم ، وهو أولى بكم وأولى بأن تبتغوا رضاه وَهُوَ الْعَلِيمُ بمصالحكم الْحَكِيمُ في أوامره ونواهيه لكم وقيل هو العليم بما قالت حفصة لعائشة الحكيم في تدبيره وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ وهي حفصة حَدِيثاً أي كلاما أمرها بإخفائه ، فالإسرار : نقيض الاعلان فَلَمَّا نَبَّأَتْ أي أخبرت غيرها بما خبرها بِهِ فأفشت سرّه وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أي واطّلع اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم على ما جرى من إفشاء سرّه عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ أي عرّف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم حفصة بعض ما ذكرت ، وأخبرها ببعض ما ذكرت ، وأعرض عن بعض ما ذكرت ، وعن بعض ما جرى من الأمر فلم يخبرها ، وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلم قد علم جميع ذلك لأن الإعراض إنما