علي محمد علي دخيل
748
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
عليه وآله خطب إلّا وهو قائم ، فمن حدّثك أنه خطب وهو جالس فكذبه ، ثم قال تعالى قُلْ يا محمد لهم ما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب على سماع الخطبة ، وحضور الموعظة والصلاة ، والثبات مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم خَيْرٌ وأحمد عاقبة وانفع مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ يرزقكم وإن لم تتركوا الخطبة والجمعة . سورة المنافقون مدنية وآيها إحدى عشرة آية 1 - 5 - خاطب اللّه سبحانه نبيه فقال إِذا جاءَكَ يا محمد الْمُنافِقُونَ وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ أي أخبروا بأنهم يعتقدون أنك رسول اللّه وَاللَّهُ يَعْلَمُ يا محمد إِنَّكَ لَرَسُولُهُ على الحقيقة وكفى باللّه شهيدا وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ في قولهم إنهم يعتقدون أنك رسول اللّه فكان إكذابهم في اعتقادهم وانهم يشهدون ذلك بقلوبهم ولم يكذبوا فيما يرجع إلى ألسنتهم لأنهم شهدوا بذلك وهم صادقون فيه ، وفي هذا دلالة على أن حقيقة الإيمان إنما هو بالقلب ، ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً أي سترة يستترون بها من الكفر لئلا يقتلوا ولا يسبوا ولا تؤخذ أموالهم فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي فأعرضوا بذلك عن دين الإسلام وقيل معناه : منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق بأن دعوهم إلى الكفر في الباطن ، وهذا من خواص المنافقين يصدّون العوام عن الدين كما تفعل المبتدعة إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بئس الذي يعملونه من اظهار الإيمان مع إبطان الكفر ، والصد عن السبيل ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا بألسنتهم عند الإقرار بلا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه ثُمَّ كَفَرُوا بقلوبهم لما كذبوا بهذا عن قتادة وقيل معناه : آمنوا ظاهرا عند النبي والمسلمين ثم كفروا إذا خلوا بالمشركين ، وإنما قال : ثم كفروا لأنهم جدّدوا الكفر بعد اظهار الإيمان فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ أي ختم عليها بسمة تميز بها الملائكة بينهم وبين المؤمنين على الحقيقة وقيل : لما ألفوا الكفر والعناد ولم يصغوا إلى الحق ، ولا فكروا في المعاد خلاهم اللّه واختيارهم وخذلهم ، فصار ذلك طبعا على قلوبهم ، وهو الفهم إلى ما اعتادوه من الكفر ، عن أبي مسلم فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ أي لا يعلمون الحق من حيث إنهم لا يتفكرون حتى يميزوا بين الحق والباطل وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ بحسن منظرهم ، وتمام خلقتهم ، وجمال بزتهم وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ أي وإذا قالوا شيئا أصغيت إلى كلامهم لحسن منطقهم ، وفصاحة لسانهم ، وبلاغة بيانهم كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أي كأنهم أشباح بلا أرواح . شبّههم اللّه بخشب نخرة متآكلة لا خير فيها ويحسب من رآها أنها صحيحة سليمة من حيث أن ظاهرها يروق ، وباطنها لا يفيد ، فكذلك المنافق ظاهره معجب رائع ، وباطنه عن الخير زائغ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ وصفهم اللّه تعالى بالخور والهلع ، أي يظنون كل صيحة يسمعونها كائنة عليهم والمعنى : يحسبون أنها مهلكتهم وأنهم هم المقصودون بها جبنا ووجلا ، وذلك مثل : أن ينادي مناد في العسكر ، أو يصيح أحد بصاحبه ، أو انفلتت دابة ، أو أنشدت ضالة ، وقيل معناه : إذا سمعوا صيحة ظنوا أنها آية منزلة في شأنهم ، وفي الكشف عن حالتهم ، لما عرفوا من الغش والخيانة في صدورهم ، ولذلك قيل : المريب خائف . ثم أخبر سبحانه بعداوتهم فقال هُمُ الْعَدُوُّ لك وللمؤمنين في الحقيقة فَاحْذَرْهُمْ أن تأمنهم على سرّك وثوقهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي أخزاهم ولعنهم وقيل : انه دعاء عليهم بالهلاك ، لأن من قاتله اللّه فهو مقتول ، ومن غالبه فهو مغلوب أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي أنّى يصرفون عن الحق مع كثرة