علي محمد علي دخيل

737

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لِلَّذِينَ آمَنُوا أي حقدا وغشا وعداوة ؛ سألوا اللّه سبحانه أن يزيل ذلك بلطفه وهاهنا احتراز لطيف وهو أنهم أحسنوا الدعاء للمؤمنين ولم يرسلوا القول إرسالا ، والمعنى : اعصمنا ربنا من إرادة السوء بالمؤمنين ، ولا شك أن من أبغض مؤمنا وأراد به السوء لأجل إيمانه فهو كافر ، وإذا كان لغير ذلك فهو فاسق رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي متعطف على العباد ، منعم عليهم . 11 - 15 - لما وصف سبحانه المهاجرين الذين هاجروا الديار والأوطان ، ثم مدح الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان ، ثم ذكر التابعين بإحسان وما يستحقونه من النعيم في الجنان ، عقب ذلك بذكر المنافقين وما أسرّوه من الكفر والعصيان فقال : أَ لَمْ تَرَ يا محمد إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا فأبطنوا الكفر ، وأظهروا الإيمان يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ في الكفر الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني يهود بني النضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من دياركم وبلادكم لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ مساعدين لكم وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أي في قتالكم ومخاصمتكم أَحَداً أَبَداً يعنون محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه ، ووعدوهم النصر بقولهم وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ أي لندفعن عنكم . ثم كذّبهم اللّه في ذلك بقوله وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما يقولونه من الخروج معهم ، والدفاع عنهم . ثم أخبر سبحانه أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من النصر والخروج بقوله لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي ولئن قدّر وجود نصرهم - لأن ما نفاه اللّه تعالى لا يجوز وجوده - لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ أي ينهزمون ويسلمونهم ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أي ولو كان لهم هذه القوة وفعلوا لم ينتفع أولئك بنصرتهم . نزلت الآية قبل إخراج بني النضير ، واخرجوا بعد ذلك وقوتلوا فلم يخرج معهم منافق ولم ينصروهم كما أخبر اللّه تعالى بذلك ، ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً أي خوفا فِي صُدُورِهِمْ أي في قلوب هؤلاء المنافقين مِنَ اللَّهِ المعنى : ان خوفهم منكم أشد من خوفهم من اللّه ، لأنهم يشاهدونكم ويعرفونكم ولا يعرفون اللّه وهو قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الحق ، ولا يعلمون عظمة اللّه وشدة عقابه لا يُقاتِلُونَكُمْ معاشر المؤمنين جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أي ممتنعة حصينة والمعنى : انهم لا يبرزون لحربكم وإنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ أي يرمونكم من وراء الجدران بالنبل والحجر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ معناه : قوتهم فيما بينهم شديدة ، فإذا لاقوكم جبنوا ويفزعون منكم بما قذف اللّه في قلوبهم من الرعب تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً أي مجتمعين في الظاهر وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي مختلفة متفرقة ، خذلهم اللّه باختلاف كلمتهم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ما فيه الرشد مما فيه الغي كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً أي مثلهم في اغترارهم بعددهم وقوتهم وبقول المنافقين كمثل الذين من قبلهم ، يعني المشركين الذين قتلوا ببدر ، وذلك قبل غزاة بني النضير لستة أشهر ، عن الزهري وغيره ، وقيل : إن الذين من قبلهم قريبا هم بنو قينقاع ، وذلك أنهم نقضوا العهد مرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم من بدر ، فأمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن يخرجوا ، وقال عبد اللّه بن أبيّ : لا تخرجوا فإني آتي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فأكلمه فيكم أو أدخل معكم الحصن ، ثم ترك نصرتهم كأولئك ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي عقوبة كفرهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة . 16 - 20 - كَمَثَلِ الشَّيْطانِ أي مثل المنافقين في غرورهم لبني النضير وخذلانهم إياهم كمثل الشيطان إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ وهو عابد بني إسرائيل ، عبد اللّه زمانا من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوّذهم فيبرءون على يده ، وأنه أتي بامرأة في شرف قد جنت وكان لها اخوة