علي محمد علي دخيل

713

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال سبحانه بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ أي أن موعد الجميع للعذاب يوم القيامة وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ فالأدهى : الأعظم في الدهاء ، والدهاء : عظم سبب الضرر مع شدة انزعاج النفس ، وهو من الداهية : أي البلية التي ليس في ازالتها حيلة والمعنى : ان ما يجري عليهم من القتل والأسر يوم بدر وغيره لا يخلصهم من عقاب الآخرة ، بل عذاب الآخرة أعظم في الضرر ، وأقطع وأمرّ ؛ ثم بيّن سبحانه حال القيامة فقال إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أي في ذهاب عن وجه النجاة وطريق الجنة في نار مسعرة يَوْمَ يُسْحَبُونَ أي يجرّون فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ يعني ان هذا العذاب يكون لهم في يوم يجرّهم الملائكة فيه على وجوههم في النار ويقال لهم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ يعني اصابتها إياهم بعذابها وحرّها وسقر : جهنم إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي خلقنا كل شيء خلقناه مقدرا بمقدار توجبه الحكمة لم نخلقه جزافا ، فخلقنا العذاب أيضا على قدر الاستحقاق ، وكذلك كل شيء في الدنيا والآخرة خلقناه مقدرا بمقدار معلوم وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ أي وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلّا كطرف البصر والمعنى : إذا أردنا قيام الساعة أعدنا الخلق وجميع المخلوقات في قدر لمح البصر في السرعة وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أي أشباهكم ونظائركم في الكفر من الأمم الماضية ، وسماهم أشياعهم لما وافقوهم في الكفر وتكذيب الأنبياء فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي فهل من متذكر لما يوجبه هذا الوعظ من الانزجار عن مثل ما سلف من أعمال الكفار لئلا يقع به ما وقع بهم من الإهلاك وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ أي في الكتب التي كتبها الحفظة ، وهذه إشارة إلى انهم غير مغفول عنهم وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ أي وما قدموه من أعمالهم من صغير وكبير مكتوب عليهم ، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ، وقيل معناه : كل صغير وكبير من الأرزاق والآجال والموت والحياة ونحوها مكتوب في اللوح المحفوظ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ يعني أنهار الجنة من الماء والخمر والعسل فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وقيل : وصفه بالصدق لكونه رفيعا مرضيا ، وقيل : لدوام النعيم به ، وقيل : لأن اللّه صدق وعد أوليائه فيه عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ أي عند اللّه سبحانه ، فهو المالك القادر الذي لا يعجزه شيء ، وليس المراد قرب المكان ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، بل المراد انهم في كنفه وجواره وكفايته حيث تنالهم غواشي رحمته وفضله . سورة الرحمن مدنية وآياتها ثمان وسبعون آية ختم اللّه سبحانه سورة القمر باسمه ، وافتتح هذه السورة أيضا باسمه فقال : 1 - 13 - الرَّحْمنُ افتتح سبحانه هذه السورة بهذا الاسم ليعلم العباد أن جميع ما وصفه يعد من أفعاله الحسنى ، إنما صدرت من الرحمة التي تشمل جميع خلقه ، وكأنه جواب لقولهم : وَمَا الرَّحْمنُ ؟ في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ ؛ وقد روي أنه لما نزل قوله : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ قالوا : ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة فقيل لهم الرحمن عَلَّمَ الْقُرْآنَ أي علّم محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم القرآن ، وعلّمه محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمّته عن الكلبي وقيل : هو جواب لأهل مكة حين قالوا : إنما يعلمه بشر ، فبيّن سبحانه أن الذي علّمه القرآن هو الرحمن ، والتعليم : هو تبيين ما به يصير من لم يعلم عالما