علي محمد علي دخيل
704
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يقاربه في نظمه وفصاحته وحسن بيانه وبراعته إِنْ كانُوا صادِقِينَ في أنه تقوله محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فإذا لم يقدروا على الإتيان بمثله فليعلموا أن محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم لم يتقوله من تلقاء نفسه بل هو من عند اللّه تعالى . ثم احتج عليهم بابتداء الخلق فقال أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أي أم خلقوا لغير شيء ، أي أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون ونحو هذا عن الزجاج وقيل معناه : أم خلقوا عبثا وتركوا سدى ، عن ابن كيسان ، وهذا في المعنى مثل الأول ، وقيل معناه : أخلقوا من غير خالق ومدبّر دبّرهم أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أنفسهم فلا يجب عليهم للّه أمر عن ابن عباس أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ واخترعوهما فلذلك لا يقرّون باللّه وبأنه خالقهم بَلْ لا يُوقِنُونَ بأن لهم إلها يستحق العبادة وحده ، وإنك نبيّ من جهة اللّه أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أي بأيديهم مفاتيح ربّك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا ، عن مقاتل وعكرمة ، وقيل : أراد خزائن المطر والرزق ، عن الكلبي ، وابن عباس ، وقيل : خزائنه مقدوراته ، فلا يأتيهم إلّا ما يحبّون أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أي الأرباب المسلطون على الناس ، فليس عليهم مسيطر ، ولا لهم ملزم ومقوم أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ أي مرقى ومصعد إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ الوحي من السماء فقد وثقوا بما هم عليه ، وردّوا ما سواه فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجّة ظاهرة واضحة ان ادعى ذلك ، والتقدير : يستمعون عليه ، فهو كقوله وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وإنّما قيل ذلك لأنّ كل من يدّعي ما لم يعلم ببداية العقول فعليه إقامة البيّنة والحجة أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ وهذا تسفيه لأحلامهم إذ أضافوا إلى اللّه سبحانه ما أنفوا منه ، وهذا غاية في جهلهم إذ جوزوا عليه سبحانه الولد ، ثم ادعوا أنه اختار الأدون على الأعلى أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً أي ثوابا على أداء الرسالة ، وعلى ما جئتهم به من الدين والشريعة فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أثقلهم ذلك الغرم الذي تسألهم فمنعهم ذلك عن الإيمان بك . 41 - 49 - ثم قال سبحانه أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي أعندهم الغيب حتى علموا أنّ محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم يموت قبلهم ؟ وهذا جواب لقولهم : نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ عن قتادة وقيل : أعندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون منه ويخبرون به الناس عن ابن عباس وقيل : هو جواب لقولهم : إن كان أمر الآخرة حقا كما تدعون فلنا الجنة ، ومثله وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ، عن الحسن . أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً أي مكرا بك ، وتدبير سوء في بابك سرّا على ما دبّروه في دار الندوة فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أي هم المجزيون بكيدهم ، فإن ضرر ذلك يعود عليهم ، ويحيق بهم مكرهم ، كما جزى اللّه سبحانه أهل دار الندوة بكيدهم أن قتلهم ببدر أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يرزقهم ويحفظهم وينصرهم يعني : ان الذين اتخذوهم آلهة لا تنفعهم ولا تدفع عنهم . ثم نزّه سبحانه نفسه فقال : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ به من الآلهة ثم ذكر سبحانه عنادهم ، وقسوة قلوبهم فقال وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يعني ان عذّبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لن ينتهوا عن كفرهم وقالوا : هو قطعة من السحاب وهو قوله يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ بعضه على بعض فَذَرْهُمْ يا محمد أي اتركهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ أي يهلكون بوقوع الصاعقة عليهم وقيل : الصعقة النفخة الأولى التي يهلك عندها جميع الخلائق . ثم وصف سبحانه ذلك اليوم فقال يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً أي لا تنفعهم حيلتهم ، ولا تدفع عنهم شيئا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني