علي محمد علي دخيل
67
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ثواب ما كسبت من الطاعات وَعَلَيْها جزاء مَا اكْتَسَبَتْ من السيئات رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا تقديره : قولوا : ربنا على جهة التعليم للدعاء إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن المراد بنسينا تركنا ، كقوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ، أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه وقوله : وتنسون أنفسكم ، والمراد بأخطأنا أذنبنا ، لأن المعاصي توصف بالخطإ من حيث أنها ضد الصواب وإن كان فاعلها متعمدا ، فكأنه تعالى أمرهم أن يستغفروا مما تركوه من الواجبات ، ومما فعلوه من المقبحات ( والثاني ) معنى قوله : إن نسينا تعرضنا لأسباب يقع عندها النسيان عن الأمر ، والغفلة عن الواجب ، أو أخطأنا : أي تعرضنا لأسباب يقع عندها الخطأ ، ويحسن الدعاء بذلك ، كما يحسن الاعتذار منه ( والثالث ) أن معناه : لا تؤاخذنا إن نسينا : أي إن لم نفعل فعلا يجب فعله على سبيل السهو والغفلة ، أو أخطأنا : أي فعلنا فعلا يجب تركه من غير قصد ، ويحسن هذا الدعاء على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى وإظهار الفقر إلى اللّه تعالى وإظهار الفقر إلى مسألته ، والاستعانة به ، وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله ( والرابع ) ما روي عن ابن عباس وعطاء ان معناه : لا تعاقبنا إن عصينا جاهلين أو متعمدين وقوله : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً إن معناه : لا تحمل علينا عملا نعجز عن القيام به ، ولا تعذبنا بتركه ونقضه كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا أي على الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، لأنهم كانوا إذا ارتكبوا خطيئة عجلت عليهم عقوبتها ، وحرم عليهم بسببها ما أحل لهم من الطعام كما قال تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ معناه : ما يثقل علينا تحمله من أنواع التكاليف والامتحان مثل : قتل النفس عند التوبة وَاعْفُ عَنَّا ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنا خطايانا ، أي استرها وَارْحَمْنا بإنعامك علينا في الدنيا ، والعفو في الآخرة وإدخال الجنة أَنْتَ مَوْلانا أي ولينا ، وأولى بالتصرف فينا وناصرنا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي أعنا عليهم بالقهر لهم ، والغلبة بالحجة عليهم ؛ وقد روي عن النبي ( ص ) : إن اللّه تعالى قال عند كل فصل من هذا الدعاء فعلت واستجبت ، ولهذا استحب الإكثار من الدعاء ، ففي الحديث المشهور عن النبي ( ص ) أنه قال : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه أي كفتاه قيام ليلته ، و عن عبد اللّه بن مسعود قال : لما أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله انتهى إلى سدرة المنتهى ، وأعطي ثلاثا الصلوات الخمس ، وخواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك من أمته إلا المقحمات . سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان 1 - 5 - إن اللّه تعالى لما ختم سورة البقرة بذكر التوحيد والإيمان ، افتتح هذه السورة بالتوحيد والإيمان أيضا فقال ألم وقد ذكرنا الاختلاف فيه وفي معناه في أول سورة البقرة اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وقد ذكرنا ما فيه في تفسير آية الكرسي ، وروي عن ابن عباس أنه قال : الحي القيوم اسم اللّه الأعظم وهو الذي دعا به آصف بن برخيا صاحب سليمان ( ع ) في حمل عرش بلقيس من سبأ إلى سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه نَزَّلَ عَلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ يعني القرآن بِالْحَقِّ بالصدق في أخباره مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي لما قبله من كتاب ورسوله وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ على موسى وَالْإِنْجِيلَ على عيسى مِنْ قَبْلُ أي من قبل إنزال القرآن هُدىً لِلنَّاسِ أي دلالة وبيانا ، أي ليهتدي أهل كل كتاب بكتابه ، وأهل كل زمان بما أنزل في زمانه وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ يعني به القرآن ، وإنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته وإن كانت لموصوف واحد ، لأن كل صفة فيها فائدة غير فائدة