علي محمد علي دخيل
667
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
بها فهي مسخّرة لنا من حيث انّا ننتفع بها على الوجه الذي نريده جَمِيعاً مِنْهُ كلّ ذلك منه تفضّل وإحسان ، ويحسن الوقف على قوله جميعا ثم يقول : منه ، أي ذلك التسخير منه لا من غيره ، فهو فضله وإحسانه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي دلالات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ثم خاطب سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال قُلْ يا محمد لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا هذا جواب أمر محذوف دلّ عليه الكلام ، وتقديره : قل لهم اغفروا يغفروا ، فصار قل لهم على هذا الوجه يغني عنه ، وقيل معناه : قل للذين آمنوا اغفروا ولكنّه شبّه بالشرط والجزاء لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي لا يخافون عذاب اللّه إذا نالوكم بالأذى والمكروه ؛ وقد مرّ تفسير أيّام اللّه عند قوله : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ، ومعنى يغفروا هاهنا : يتركوا مجازاتهم على أذاهم ولا يكافئوهم ليتولّى اللّه مجازاتهم لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بيان هذا الجزاء بالآية التي تليها وهو قوله مَنْ عَمِلَ صالِحاً أي طاعة وخيرا وبرّا فَلِنَفْسِهِ لأنّ ثواب ذلك يعود عليه وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أي فوبال إساءته على نفسه ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ يوم القيامة أي إلى حيث لا يملك أحد النفع والضرّ والنهي والأمر غيره سبحانه ، فيجازي كل إنسان على قدر عمله . 16 - 20 - لمّا تقدّم ذكر النعمة ومقابلتهم إيّاها بالكفر والطغيان ، بيّن عقيب ذلك ذكر ما كان من بني إسرائيل أيضا في مقابلة النعم من الكفران فقال : وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ يعني التوراة وَالْحُكْمَ يعني العلم بالدين وقيل : العلم بالفصل بين الخصمين ، وبين المحق والمبطل وَالنُّبُوَّةَ أي وجعلنا فيهم النبوّة وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي وأعطيناهم من أنواع الطيّبات وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي عالمي زمانهم وقيل : فضّلناهم في كثرة الأنبياء منهم على سائر الأمم وإن كانت أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أفضل منهم في كثرة المطيعين للّه ، وكثرة العلماء منهم ، كما يقال : هذا أفضل في علم النحو ، وذاك في علوّ الفقه ، فأمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أفضل في علوّ منزلة نبيّها عند اللّه على سائر الأنبياء ، وكثرة المجتبين الأخيار من آله وأمّته ، والفضل : الخير الزائد على غيره ، فأمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله أفضل بفضل محمد وآله وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ أي أعطيناهم دلالات وبراهين واضحات من العلم بمبعث محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وما بيّن لهم من أمره فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي من بعد ما انزل اللّه الكتب على أنبيائهم ، وأعلمهم بما فيها بَغْياً بَيْنَهُمْ أي طلبا للرئاسة ، وأنفة من الإذعان للحق إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ظاهر المعنى ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ أي ثمّ جعلناك يا محمد على دين ومنهاج وطريقة ، يعني بعد موسى وقومه ، والشريعة : السنّة التي من سلك طريقها أدّته إلى البغية كالشريعة التي هي طريق إلى الماء ، فهي علامة منصوبة على الطريق من الأمر والنهي يؤدّي إلى الجنّة ، كما يؤدّي ذلك إلى الوصول إلى الماء فَاتَّبِعْها أي اعمل بهذه الشريعة وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الحق ، ولا يفصلون بينه وبين الباطل من أهل الكتاب الذين غيّروا التوراة اتباعا لهواهم ، وحبّا للرئاسة واستتباعا للعوام ، ولا المشركين الذين اتّبعوا أهواءهم في عبادة الأصنام إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي لن يدفعوا عنك شيئا من عذاب اللّه ان اتّبعت أهواءهم وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يعني انّ الكفار بأجمعهم متّفقون على معاداتك ، وبعضهم أنصار بعض عليك وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ أي ناصرهم وحافظهم فلا تشغل قلبك بتناصرهم وتعاونهم عليك ، فإن اللّه ينصرك عليهم ويحفظك هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ أي هذا الذي أنزلته عليك من القرآن بصائر ، أي معالم في الدين وعظات