علي محمد علي دخيل

607

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ أي بتعب ومكروه ومشقة . فأجاب اللّه دعاءه وقال له ارْكُضْ بِرِجْلِكَ أي ادفع برجلك الأرض هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ نبعت عينان ، فاغتسل من أحدهما فبرأ ، وشرب من الأخرى فروي وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ هذا مفسّر في سورة الأنبياء ، وروي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : أن اللّه تعالى أحيا له أهله الذين كانوا ماتوا قبل البلية ، وأحيا له أهله الذين ماتوا وهو في البلية رَحْمَةً مِنَّا أي فعلنا ذلك به لرحمتنا إياه وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ أي ليتذكّر ويعتبر به ذوو الألباب : أي العقول ، ويعرفوا حسن عاقبة الصبر فيصبروا كما صبر ؛ قالوا : انه أطعم جميع أهل قريته سبعة أيام ، وأمرهم بأن يحمدوا اللّه ويشكروه وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً وهو ملء الكف من الشماريخ وما أشبه ذلك ، أي وقلنا له ذلك ، وذلك أنه حلف على امرأته لأمر أنكره من قولها لئن عوفي ليضربنها مائة جلدة فقيل له : خذ ضغثا بعدد ما حلفت به فَاضْرِبْ بِهِ أي واضربها به دفعة واحدة فإنك إذا فعلت ذلك برت يمينك وَلا تَحْنَثْ في يمينك ، نهاه عن الحنث . وروي عن ابن عباس أنه قال : كان السبب في ذلك أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب عليه السّلام فقال : أداويه على أنه إذا برئ قال : أنت شفيتني ، لا أريد جزاء سواه قالت : نعم ، فأشارت إلى أيوب بذلك فحلف ليضربنّها . ثم أخبر سبحانه عن حال أيوب وعظم منزلته فقال : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً على البلاء الذي ابتليناه به نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ أي رجّاع إلى اللّه ، منقطع إليه . 45 - 54 - ثم عطف سبحانه على ما تقدّم حديث الأنبياء فقال : وَاذْكُرْ يا محمد لقومك وأمتك عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ليقتدوا بهم في حميد أفعالهم ، وكريم خلالهم ، فيستحقّوا بذلك حسن الثناء في الدنيا ، وجزيل الثواب في العقبى كما استحق أولئك أُولِي الْأَيْدِي أي ذوي القوة على العبادة وَالْأَبْصارِ الفقه في الدين ، ومعناه : أولي العلم والعمل ، فالأيدي : العمل ، والأبصار : العلم إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ أي جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم ذكرى الدار . والخالصة : بمعنى الخلوص ، والذكرى : بمعنى التذكير ، أي خلص لهم تذكير الدار ، وهو أنهم كانوا يتذكرونها بالتأهب لها ، ويزهدون في الدنيا كما هو عادة الأنبياء وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا وبحسب ما سبق في عملنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ للنبوة ، وتحمل أعباء الرسالة الْأَخْيارِ جمع خير ، وهو الذي يفعل الأفعال الكثيرة الحسنة وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ أي اذكر لأمتك هؤلاء أيضا ليقتدوا بهم ، ويسلكوا طريقتهم وقد تقدّم ذكرهم وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ قد اختارهم اللّه للنبوة هذا ذِكْرٌ أي شرف لهم وذكر جميل ، وثناء حسن يذكرون به في الدنيا أبدا وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ أي حسن مرجع ومنقلب يرجعون في الآخرة إلى ثواب اللّه ومرضاته ؛ ثم فسّر حسن المآب بقوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ أي جنات إقامة وخلود مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ أي يجدون أبوابها مفتوحة حين يردونها ، ولا يحتاجون إلى الوقوف عند أبوابها حتى تفتح مُتَّكِئِينَ فِيها أي مستندين فيها إلى المساند ، جالسين جلسة الملوك يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل : حصل عندهم وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أي وعندهم في هذه الجنان أزواج قصرن طرفهن على أزواجهن ، راضيات بهم ، ما لهنّ في غيرهم رغبة أَتْرابٌ أي أقران على سنّ واحد ليس فيهن عجوز ولا هرمة ، أي متساويات في الحسن ومقادر الشباب هذا يعني ما ذكر فيما تقدّم ما تُوعَدُونَ أي يوعد به المتقون أو يخاطبون فيقال لهم هذا القول لِيَوْمِ الْحِسابِ أي ليوم الجزاء إِنَّ هذا