علي محمد علي دخيل

575

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يلحقني من أذاكم قُلْ يا محمد إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ويلقيه إلى أنبيائه عن قتادة ومقاتل عَلَّامُ الْغُيُوبِ علم جميع الخفيات ، وما غاب عن خلقه في الأرضين والسماوات قُلْ يا محمد جاءَ الْحَقُّ وهو أمر اللّه تعالى بالإسلام والتوحيد وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أي ذهب الباطل ذهابا لم يبق منه إبداء ولا إعادة ولا إقبال ولا إدبار ، لأن الحق إذا جاء لا يبقى للباطل بقية قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ عن الحق كما تدعون فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي أي فإنما يرجع وبال ضلالي عليّ لأني مأخوذ به دون غيري وَإِنِ اهْتَدَيْتُ إلى الحق فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أي بفضل ربي حيث أوحى إليّ فله المنة بذلك عليّ دون خلقه إِنَّهُ سَمِيعٌ لأقوالنا قَرِيبٌ منّا فلا يخفى عليه المحق والمبطل . 51 - 54 - ثم قال سبحانه وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ فَزِعُوا أي عند البعث فَلا فَوْتَ أي فلا يفوتني منهم أحد ، ولا ينجو مني ظالم وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يعني القبور ، وحيث كانوا فهم من اللّه قريب لا يفوتونه وقيل : إذ فزعوا في الدنيا حين رأوا بأس اللّه عند معاينة الملائكة لقبض أرواحهم ، وقيل : هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم فلم يستطيعوا فرارا من العذاب ، ولا رجوعا إلى التوبة ، عن الضحاك والسدي . وقال أبو حمزة الثمالي : سمعت علي ابن الحسين عليهما السلام والحسن بن الحسن بن علي عليه السلام يقولان : هو جيش البيداء يؤخذون من تحت أقدامهم وَقالُوا أي ويقولون في ذلك الوقت وهو يوم القيامة أو عند رؤية البأس أو عند الخسف في حديث السفياني آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ أي ومن أين لهم الانتفاع بهذا الإيمان الذي الجئوا إليه ؟ بيّن سبحانه انهم لا ينالون به نفعا كما لا ينال أحد التناوش مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وقيل معناه : انهم طلبوا المردّ إلى الدنيا ، فالمراد انهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال ، ولم يرد بعد المكان وانما أراد بعد انتفاعهم بذلك وبعدهم عن الصواب وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ المعنى : وكيف تقبل توبتهم أو يردّون إلى الدنيا وقد كفروا باللّه من قبل ذلك وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي ويرجمون بالظن فيقولون : لا جنّة ولا نار ولا بعث ، وهذا أبعد ما يكون من الظن عن قتادة وقيل معناه : يرمون محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالظنون من غير يقين وذلك قولهم : هو ساحر ، وهو شاعر ، وهو مجنون ، وجعله قذفا لخروجه في غير حقّ وقيل معناه : ويبعدون أمر الآخرة فيقولون لأتباعهم هيهات هيهات لما توعدون ، وذلك كالشئ يرى في موضع بعيد المرمى وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ أي وفرّق بينهم وبين مشتهياتهم بالموت الذي حلّ بهم كما حلّ بأمثالهم عن أبي مسلم وقيل : مشتهاهم هو التوبة والإيمان أو الردّ إلى الدنيا وقد منعوا منه وقيل : هو نعيم الجنة عن الجبائي وقيل معناه : منعوا من كل مشتهى فيلحق اللّه تعالى فيهم النفار فلا يدركون شيئا إلّا ويتألمون كَما فُعِلَ مثل ذلك بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ أي بأمثالهم من الكفار وأهل دينهم من الأمم الماضية حين لم تقبل التوبة وقت رؤية البأس والعذاب قال الضحاك : المراد بذلك أصحاب الفيل حين أرادوا خراب الكعبة إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ من البعث والنشور مُرِيبٍ أي مشكّك . سورة فاطر وتسمى أيضا سورة الملائكة مكية وعدد آياتها خمس وأربعون آية لمّا ختم اللّه سبحانه السورة المتقدمة بالرد على أهل الشرك والشك والعنود ، افتتح هذه السورة بذكر كمال قدرته ووحدانيته ، ودلائل التوحيد فقال :