علي محمد علي دخيل

526

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا » أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا المعنى : أحسب الذين يفعلون الكفر والقبائح أن يفوتونا فوت السابق لغيره ، ويعجزونا فلا نقدر على أخذهم والانتقام منهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي بئس الشيء الذين يحكمون ظنّهم أنهم يفوتوننا . وروى العياشي بالاسناد عن أبي الحسن عليه السلام قال : جاء العباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : امش حتى يبايع لك الناس ، فقال : أتراهم فاعلين ، قال : نعم ، فأين قول اللّه أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي يخاف الجزاء والحساب ، أو يأمل الثواب فليبادر بالطاعة قبل أن يلحقه الأجل فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ أي الوقت الذي وقّته اللّه للثواب والعقاب جاء لا محالة وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ بما في ضمائركم . 6 - 10 - لما رغّب سبحانه في تحقيق الرجاء والخوف بفعل الطاعة عقّبه بالترغيب في المجاهدة فقال : وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أي ومن جاهد الشيطان بدفع وسوسته وإغوائه ، وجاهد أعداء الدين لإحيائه ، وجاهد نفسه التي هي اعدى أعدائه ، فإنما يجاهد لنفسه ، لأن ثواب ذلك عائد عليه ، وواصل إليه دون اللّه تعالى إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ غير محتاج إلى طاعتهم ، فلا يأمرهم ولا ينهاهم لمنفعة ترجع إليه بل لمنفعتهم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ التي اقترفوها قبل ذلك وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي يجزيهم بأحسن أعمالهم ، وهو ما أمروا به من العبادات والطاعات والمعنى : لنكفرن سيئاتهم السابقة منهم في حال الكفر ، ولنجزينهم بحسناتهم التي عملوها في الإسلام ، ولما أمر سبحانه بمجاهدة الكفار ومباينتهم بيّن حال الوالدين في ذلك فقال : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ أي أمرناه أن يفعل بوالديه حُسْناً وألزمناه ذلك . ثم خاطب سبحانه كل واحد من الناس فقال : وَإِنْ جاهَداكَ أي وإن جاهداك أبواك أيها الإنسان ، وألزماك واستفرغا مجهودهما في دعائك لِتُشْرِكَ بِي في العبادة ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي وليس لأحد به علم فَلا تُطِعْهُما في ذلك ، فأمر سبحانه إطاعة الوالدين في الواجبات حتما ، وفي المباحات ندبا ، ونهى عن طاعتهما في المحظورات ، ونفى العلم به كأنه كناية عن تعريه من الأدلة ، لأنه إذا لم يكن عليه حجة ودليل لم يحصل العلم به فلا يحسن اعتقاده إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أي إلى حكمي مصيركم فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي أخبركم بأعمالكم فأجازيكم عليها . وروي عن بهر بن أبي حكيم عن أبيه عن جدّه قال : قلت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم : يا رسول اللّه من أبرّ ؟ قال : أمّك قلت : ثم من ؟ قال : ثم أمّك ، قلت : ثم من ؟ قال : ثم أمك قلت : ثم من ؟ قال : ثم أباك ، ثم الأقرب فالأقرب . و عن أنس بن مالك عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال : الجنة تحت أقدام الأمهات . ثم قال سبحانه وَالَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا بوحدانية اللّه تعالى ، وإخلاص العبادة له وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي في زمرتهم وجملتهم في الجنة . ولما ذكر سبحانه خيار المؤمنين عقّبه بذكر المنافقين وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ بلسانه فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي في دين اللّه ، أو في ذات اللّه جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ والمعنى : فإذا أوذي بسبب دين اللّه رجع عن الدين مخافة عذاب الناس ، كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب اللّه ، فيسوي بين عذاب فإن منقطع ، وبين عذاب دائم غير منقطع أبدا لقلة تمييزه ؛ وسمي أذية الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ يا محمد ، أي ولئن جاء نصر من اللّه للمؤمنين ، ودولة لأولياء اللّه على الكافرين لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي ليقولن هؤلاء المنافقون للمؤمنين : إنا كنا معكم على عدوّكم طمعا في الغنيمة ، ثم كذّبهم اللّه فقال :