علي محمد علي دخيل

519

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

مُوسى مِنْ قَبْلُ أي وقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا يعنون التوراة والقرآن ، عن عكرمة والكلبي ومقاتل وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ من التوراة والقرآن ، قال الكلبي : وكانت مقالتهم هذه حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم فسألوهم عن محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فأخبروهم بنعته وصفته في كتابهم التوراة ، فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود فقالوا عند ذلك : سحران تظاهرا قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ معناه : قل يا محمد لكفار قومك : فأتوا بكتاب هو أهدى من التوراة والقرآن حتى أتبعه إن صدقتم أن التوراة والقرآن سحران وقيل معناه : فأتوا بكتاب من عند اللّه يؤمن معه التكذيب ، أي لم يكذب به طائفة من الناس ، ثم قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ أي فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن وقيل : أي لم يستجيبوا لك إلى الإيمان مع ظهور الحق فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ أي ما تميل إليه طباعهم ، لأن الهوى ميل الطبع إلى المشتهى . قال الزجاج : أي فاعلم انما ركبوه من الكفر لا حجّة لهم فيه وإنما آثروا فيه الهوى . ثم ذمّهم فقال : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ أي لا أحد أضل ممن اتبع هواه بغير رشاد ولا بيان جاءه من اللّه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلى طريق الجنة ، وقيل معناه : لا يحكم اللّه بهدايتهم وقيل إنهم إذا لم يهتدوا بهدى اللّه فكأنّه لم يهدهم . النزول نزل قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وما بعده في عبد اللّه بن سلام ، وتميم الداري ، والجارود العبدي ، وسلمان الفارسي ، فإنهم لما أسلموا نزلت فيهم الآيات . عن قتادة ، وقيل : نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي ( ص ) قبل مبعثه ، اثنان وثلاثون من الحبشة ، أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب ( ع ) ، وثمانية قدموا من الشام . 51 - 55 - ثم بيّن سبحانه صفة القرآن فقال : وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ أي فصّلنا لهم القول ، وبيّنا عن ابن عباس ومعناه : وأتينا بآية بعد آية ، وبيان بعد بيان ، وأخبرناهم بأخبار الأنبياء والمهلكين من أممهم لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي ليتذكروا ويتفكروا فيعلموا الحق ويتّعظوا الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم هُمْ بِهِ أي بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم يُؤْمِنُونَ لأنهم وجدوا نعته في التوراة وقيل معناه : من قبل القرآن وهم بالقرآن يصدّقون والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل يعني الذين أوتوا الكتاب وَإِذا يُتْلى القرآن عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزوله مُسْلِمِينَ به ؛ وذلك أن ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم والقرآن كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، فهؤلاء لم يعاندوا . ثم أثنى اللّه سبحانه عليهم فقال أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا مرّة بتمسّكهم بدينهم حتى أدركوا محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم فآمنوا به ، ومرة بإيمانهم به وقيل : بما صبروا على الكتاب الأول وعلى الكتاب الثاني ، وإيمانهم بما فيهما ، عن قتادة وقيل : بما صبروا على دينهم وعلى أذى الكفار وتحمل المشاق وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي يدفعون بالحسن من الكلام الكلام القبيح الذي يسمعونه من الكفار وقيل : يدفعون بالمعروف المنكر عن سعيد بن جبير وقيل : يدفعون بالحلم جهل الجاهل عن يحيى بن سلام ومعناه : يدفعون بالمداراة مع الناس أذاهم عن أنفسهم ، وروي مثل ذلك عن أبي عبد اللّه عليه السلام وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ مرّ معناه وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أي السفه من الناس ، والقبيح من القول ، والهزء الذي لا فائدة فيه أَعْرَضُوا عَنْهُ ولم يقابلوه بمثله