علي محمد علي دخيل
498
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
تنحية الشيء عن موضع إلى خلافه ، وإزالته عن أمر إلى نقيضه . 213 - 220 - ثم خاطب سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمراد به سائر المكلفين فقال : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ بسبب ذلك ؛ وإنما أفرده بالخطاب ليعلم أن العظيم الشأن إذا أوعد فمن دونه كيف حاله ؟ وإذا حذر هو فغيره أولى بالتحذير وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أي رهطك الأدنين أي أنذرهم بالإفصاح من غير تليين بالقول كما تدعو إليه مقاربة العشيرة ، وإنما خصّهم بالذكر تنبيها على أنه ينذر غيرهم وأنه لا يداهنهم لأجل القرابة ليقطع طمع الأجانب عن مداهنته في الدين وقيل إنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أمر بأن يبدأ بهم في الإنذار والدعاء إلى اللّه ثم بالذين يلونهم ، لأن ذلك هو الذي يقتضيه حسن الترتيب وقيل : انه إنما خصّهم لأنه يمكنه أن يجمعهم ثم ينذرهم ، وقد فعل ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، واشتهرت القصة بذلك عند الخاص والعام وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي ألن جانبك وتواضع لهم ، وحسن أخلاقك معهم فَإِنْ عَصَوْكَ يعني أقاربك بعد إنذارك إياهم ، وخالفوك فيما تدعوهم إليه فَقُلْ لهم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ أي من أعمالكم القبيحة ، وعبادتكم الأصنام وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أي فوّض أمرك إلى العزيز المنتقم من أعدائه ، الرحيم بأوليائه ، ليكفيك كيد أعدائك الذين عصوك فيما أمرتهم به الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ أي الذي يبصرك حين تقوم من مجلسك أو فراشك إلى الصلاة . وقيل : حين تقوم بالليل لأنه لا يطلع عليه أحد غيره وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أي ويرى تصرفك في المصلين بالركوع والسجود والقيام والقعود والمعنى : يراك حين تقوم إلى الصلاة مفردا ، وتقلبك في الساجدين إذا صلّيت في جماعة ، وقيل معناه : وتقلبك في أصلاب الموحدين من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجك نبيّا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يسمع ما تتلو في صلاتك ، ويعلم ما تضمر فيها . 221 - 227 - هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي هل أخبركم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ أي إنما يتنزل الشياطين على كل كذاب فاجر عامل بالمعاصي وهم الكهنة ، ولست بكذاب ولا أثيم فلا يتنزل عليك الشياطين ، وإنما يتنزل عليك الملائكة يُلْقُونَ السَّمْعَ معناه : أن الشياطين يلقون ما يسمعونه إلى الكهنة والكذابين ، ويخلطون به كثيرا من الأكاذيب ويوحونه إليهم وَأَكْثَرُهُمْ أي وأكثر الشياطين كاذِبُونَ وقيل : أكثر الكهنة كاذبون . وهذا كان قبل أن أوحي إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وبعد ذلك فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ قال ابن عباس يريد شعراء المشركين ، تكلّموا بالكذب والباطل وقالوا : نحن نقول مثل ما قال محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم وقالوا الشعر ، واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم ، ويروون عنهم حين يهجون النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه فذلك قوله : يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ أي في كل فن من الكذب يتكلّمون ، وفي كل لغو يخوضون ، يمدحون ويذمّون بالباطل وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ أي يحثّون على أشياء لا يفعلونها ، وينهون عن أشياء يرتكبونها . ثم استثنى من جملتهم فقال إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وهم شعراء المؤمنين الذين مدحوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ،
--> وفلقت قلوبهم ، وصدعت أكبادهم ، وكانوا قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم ، فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم .