علي محمد علي دخيل
485
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
فتخضع لنا أعناقهم بعد صعوبتها وتلين وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار انه لا يأتيهم ذكر من الرحمن محدث : أي جديد يعني القرآن كما قال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقال إن هو إلا ذكر ، الا أعرضوا عن الذكر ولم يتدبّروا فيه فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ فيما بعد ، يعني يوم القيامة أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهي مفسّرة في سورة الأنعام أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ معناه : من كل نوع معه قرينه كَرِيمٍ أي حسن وقيل : نافع محمود مما يحتاج إليه وقيل : من كل صنف يكرم على أهله وقيل كريم مما يأكل الناس والأنعام ، عن مجاهد وقال الشعبي : الناس نبات الأرض كما قال سبحانه : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ، فمن دخل الجنة فهو كريم ، ومن دخل النار فهو لئيم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لدلالة على وحدانيتنا وكمال قدرتنا وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ لا يصدّقون بذلك ، ولا يعترفون به عنادا وتقليدا لأسلافهم ، وهربا من مشقة التكليف وَإِنَّ رَبَّكَ يا محمد لَهُوَ الْعَزِيزُ أي القادر والذي لا يعجز ، والغالب الذي لا يغلب الرَّحِيمُ أي المنعم على عباده بأنواع النعم . 10 - 30 - ثم ذكر سبحانه أقاصيص رسله تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وتحريضا له على الصبر ثقة بنزول النصر ، وابتدأ بقصة موسى وفرعون فقال وَإِذْ نادى رَبُّكَ أي واذكر يا محمد وأتل عليهم الوقت الذي نادى فيه ربك الذي خلقك مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ هذا أمر بعد النداء وتقديره : قال له : يا موسى ان ائت القوم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي ، وظلموا بني إسرائيل بأن ساموهم سوء العذاب ، ثم بين القوم الموصوفين بهذه الصفة فقال قَوْمَ فِرْعَوْنَ وهو عطف بيان أَ لا يَتَّقُونَ معناه : أما آن لهم أن يتّقوا ويصرفوا عن أنفسهم عقوبة اللّه بطاعته ؟ والتقوى : مجانبة القبائح بفعل المحاسن قالَ موسى رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ بالرسالة ، ولا يقبلوا مني ، والخوف : انزعاج النفس بتوقع الضر ، ونقيضه الأمن : وهو سكون النفس إلى خلوص النفع وَيَضِيقُ صَدْرِي بتكذيبهم إياي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي أي لا ينبعث بالكلام للعقدة التي كانت فيه وقد مرّ بيانها وقد يتعذر ذلك لآفة في اللسان ، وقد يتعذر لضيق الصدر وغروب المعاني التي تطلب للكلام فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ يعني ليعاونني كما يقال : إذا نزلت بنا نازلة أرسلنا إليك اي لتعيننا ؛ وانما طلب المعاونة حرصا على القيام بالطاعة ، وقال الجبائي : لم يسأل موسى عليه السلام ذلك إلا بعد أن أذن اللّه له في ذلك لأن الأنبياء لا يسألون اللّه إلّا ما يؤذن لهم في مسألته وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني قتل القبطي الذي قتله موسى عليه السلام فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ خاف ان يقتلوه بتلك النفس لا لإبلاغ الرسالة ، فإنه علم أن اللّه تعالى إذا بعث رسولا تكفل بمعونته على تبليغ رسالته قالَ اللّه كَلَّا وهو زجر ، أي لا يكون ذلك ولن يقتلوك به فإني لا اسلّطهم عليك فَاذْهَبا أنت وأخوك بِآياتِنا أي بدلالاتنا ومعجزاتنا التي خصّصناكما بها إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ أي نحن نحفظكم ، ونحن سامعون ما يجري بينكم فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أرسلنا اللّه إليك لندعوك إلى عبادته ، وترك الإشراك به أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي أمرك اللّه بأن ارسلهم وأطلقهم من الاستعباد ، وخلّ عنهم قالَ فرعون لموسى أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً معناه : ألم تكن فينا صبيا صغيرا فربّيناك وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ أي أقمت سنين كثيرة عندنا ، وهي ثماني عشرة سنة وقيل ثلاثين سنة وقيل أربعين سنة ، وإنما قال ذلك امتنانا عليه بإحسانه إليه وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ يعني قتل القبطي وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ لنعمتنا وحق تربيتنا ،