علي محمد علي دخيل
481
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً قد مات بالجدب ، وأراد بالبلدة البلد أو المكان فلذلك قال ميتا بالتذكير والمعنى : لنحيي بالمطر بلدة ليس فيها نبت قال ابن عباس لنخرج به النبات والثمار وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً أي ولنسقي من ذلك الماء انعاما جمّة ، أو نجعله سقيا لأنعام وَأَناسِيَّ كَثِيراً أي أناسا كثيرة وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ أي صرفنا المطر بينهم يدور في جهات الأرض وقيل : قسمناه بينهم يعني المطر فلا يدوم على مكان فيهلك ، ولا ينقطع عن مكان فيهلك ، ويزيد لقوم وينقص لآخرين على حسب المصلحة لِيَذَّكَّرُوا أي ليتفكروا ويستدلّوا به على سعة مقدورنا ، ولأنه لا يستحق العبادة غيرنا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً أي جحودا لما عدّدناه من النعم ، وإنكارا فيقولون مطرنا بنوء كذا وكذا عن عكرمة وقيل : فأبوا إلا كفورا بالبعث والنشور . 51 - 60 - وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ينذرهم ، ولكن بعثناك يا محمد إلى القرى كلها رسولا لعظيم منزلتك لدينا ، والنذير : هو الداعي إلى ما يؤمن معه الخوف من العقاب فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يدعونك إليه من المداهنة والإجابة إلى ما يريدون وَجاهِدْهُمْ في اللّه بِهِ أي بالقرآن جِهاداً كَبِيراً أي تاما شديدا ؛ وفي هذا دلة على أن من أجلّ الجهاد وأعظمه منزلة عند اللّه سبحانه جهاد المتكلمين في حلّ شبه المبطلين وأعداء الدين ويمكن ان يتأول عليه قوله رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي أرسلهما في مجاريهما ، وخلاهما كما يرسل الخيل في المرج ، وهما يلتقيان فلا يختلط الملح بالعذب ، ولا العذب بالملح وهو قوله هذا يعني أحد البحرين عَذْبٌ فُراتٌ أي طيب شديد الطيب وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً أي حجابا من قدرة اللّه تعالى يمنعها من الاختلاط وَحِجْراً مَحْجُوراً أي حراما محرما أن يفسد الملح العذب وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً أي خلق من النطفة إنسانا وقيل : أراد به آدم عليه السلام فإنه خلق من التراب الذي خلق من الماء وقيل أراد به أولاد آدم فإنهم المخلوقون من الماء فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً أي فجعله ذا نسب وصهر والصهر : حرمة الختونة وقيل : النسب الذي يحلّ نكاحه كبنات العم والخال ، عن الفراء وقيل : النسب سبعة أصناف ، والصهر خمسة ، ذكرهم اللّه في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ، وقال ابن سيرين : نزلت في النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب ، زوّج فاطمة عليها السلام عليا عليه السلام فهو ابن عمه وزوج ابنته فكان نسبا وصهرا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً أي قادرا على ما أراد . ثم أخبر سبحانه عن الكفار فقال وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ من الأصنام والأوثان وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً الظهير : العون والمعين ، أي معينا للشيطان على ربه بالمعاصي عن الحسن ومجاهد . قال الزجاج : لأنه يتابع الشيطان ويعاونه على معصية اللّه ، فإن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان وقيل ظهيرا أي هينا كالمطرح من قولهم ظهر فلان بحاجته إذا جعلها خلف ظهره فلم يلتفت إليها واستهان بها والظهير بمعنى المظهور وهو المتروك المستخف به ومنه قوله واتخذتموه ورائكم ظهريا والأول أوجه وقالوا عنى بالكافر أبا جهل وَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إِلَّا مُبَشِّراً بالجنة وَنَذِيراً من النار وقد سبق معناه . قل يا محمد لهؤلاء الكفار قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على القرآن وتبليغ الوحي مِنْ أَجْرٍ تعطونيه إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا بإنفاقه في طاعة اللّه واتباع مرضاته والمعنى : إني لا أسألكم لنفسي أجرا ولكني لا أمنع من انفاق المال في طلب مرضاة اللّه سبحانه ، بل أرغب فيه ، وأحثّ عليه وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ أي فوّض أمورك