علي محمد علي دخيل
421
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ينسون من شدّة هول ذلك اليوم مدة لبثهم في الدنيا . ثم قال سبحانه نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ أي بما يتسارون بينهم إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي أصلحهم طريقة ، وأوفرهم عقلا ، وأصوبهم رأيا ، وقيل : أكثرهم سدادا عند نفسه إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً أي ما لبثتم إلّا يوما في الدنيا وفي القبور ، إنما قال ذلك لأن اليوم الواحد والعشرة إذا قوبلت بيوم القيامة وما لهم من الأيام في النار كان اليوم الواحد أقرب إليه وهو كقوله : لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها . ثم قال سبحانه لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وَيَسْئَلُونَكَ أي ويسألك منكرو البعث عند ذكر القيامة عَنِ الْجِبالِ ما حالها فَقُلْ يا محمد يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً أي يجعلها ربّي بمنزلة الرمل ، ثم يرسل عليها الرياح فيذريها كتذرية الطعام من القشور والتراب فلا يبقى على وجه الأرض منها شيء وقيل يصيرها كالهباء وقيل إن رجلا من ثقيف سأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم كيف تكون الجبال يوم القيامة مع عظمها فقال ان اللّه يسوقها بأن يجعلها كالرمال ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها فَيَذَرُها أي فيدع أماكنها من الأرض إذا نسفها قاعاً أي أرضا ملساء وقيل منكشفة عن الجبائي صَفْصَفاً أي أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر وقيل القاع والصفصف بمعنى واحد وهو المستوي من الأرض الذي لا نبات فيه عن ابن عباس ومجاهد لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً أي ليس فيها منخفض ولا مرتفع . 108 - 115 - ثم وصف سبحانه القيامة فقال يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ أي يوم القيامة يتبعون صوت داعي اللّه الذي ينفخ في الصور وهو إسرافيل عليه السلام لا عِوَجَ لَهُ أي لدعاء الداعي ، ولا يعدل عن أحد بل يحشرهم جميعا عن أبي مسلم وقيل معناه لا عوج لهم من دعائه لا يميلون عنه ولا يعدلون عن ندائه أي يتبعونه سراعا ولا يلتفتون يمينا ولا شمالا عن الجبائي وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ أي خضعت الأصوات بالسكون لعظمة الرحمن عن ابن عباس فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً وهو صوت الاقدام عن ابن عباس وابن زيد ، أي لا تسمع من صوت أقدامهم إلا صوتا خفيا كما يسمع من وطئ الإبل وقيل : الهمس اخفاء الكلام عن مجاهد وقيل معناه : ان الأصوات العالية بالأمر والنهي في الدنيا ينخفض ويذل أصحابها فلا تسمع منهم إلا الهمس يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أي لا تنفع ذلك اليوم شفاعة أحد في غيره إلا شفاعة من أذن اللّه له في أن يشفع ، ورضي قوله فيها من الأنبياء والأولياء والصالحين والصديقين والشهداء . ثم قال سبحانه : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ الضمير يرجع إلى الذين يتبعون الداعي ، أي يعلم سبحانه جميع أقوالهم وأفعالهم قبل أن خلقهم وبعد أن خلقهم ، وما كان في حياتهم وبعد مماتهم لا يخفى عليه شيء من أمورهم تقدم أو تأخر وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً أي ولا يحيطون هم باللّه علما أي بمقدوراته ومعلوماته وقيل : بكنه عظمته في ذاته وأفعاله وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ أي خضعت وذلت خضوع الأسير في يد من قهره ، والمراد : خضع أرباب الوجوه واستسلموا لحكم الحي الذي لم يمت ولا يموت وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً أي قد خسر الثواب من جاء يوم القيامة كافرا ظالما وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ أي ومن يعمل شيئا من الطاعات وَهُوَ مُؤْمِنٌ عارف باللّه تعالى ، مصدق بما يجب التصديق به ، وإنما قال ذلك لأنه لا تنفع الطاعة من غير إيمان فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً أي هو لا يخاف أن يظلم ويزاد عليه في سيئاته ، ولا أن يهضم أي ينقص من حسناته عن ابن عباس وقيل : لا يخاف أن يؤخذ بذنب لم يعمله ، ولا أن تبطل حسنة عملها وَكَذلِكَ أي وكما أخبرناك بأخبار القيامة أَنْزَلْناهُ أي أنزلنا هذا الكتاب قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ أي كرّرنا فيه من