علي محمد علي دخيل
400
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أي يظنون أنهم بفعلهم محسنون ، وان أفعالهم طاعة وقربة وروى العياشي بإسناده قال : قام ابن الكواء إلى أمير المؤمنين ( ع ) فسأله عن أهل هذه الآية فقال : أولئك أهل الكتاب كفروا بربهم ، وابتدعوا في دينهم فحبطت أعمالهم ، وما أهل النهر منهم ببعيد ، يعني الخوارج أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي جحدوا بحجج اللّه وبيناته ، ولقاء جزائه في الآخرة فبطلت وضاعت أعمالهم التي عملوها لأنهم أوقعوها على خلاف الوجه الذي أمرهم اللّه به فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً أي لا قيمة لهم عندنا ولا كرامة ولا نعتد بهم ، بل نستخف بهم ونعاقبهم ، تقول العرب : ما لفلان عندنا وزن ، أي قدر ومنزلة وروي في الصحيح ان النبي ( ص ) قال : انه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ معناه : الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم ، وخيبة قدرهم ثم ابتدأ سبحانه فقال جزاؤهم جهنم بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً أي بكفرهم واتخاذهم آياتي : أي أدلتي الدالة على توحيدي - يعني القرآن ورسلي - هزوا : أي مهزوءا به . 107 - 110 - لمّا تقدّم ذكر حال الكافرين عقّبه سبحانه بذكر حال المؤمنين فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا اللّه ورسوله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أي كان في حكم اللّه وعلمه لهم بساتين الفردوس وهو أطيب موضع في الجنة ، وأوسطها وأفضلها وأرفعها وروى عبادة بن الصامت عن النبي ( ص ) قال : الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، الفردوس أعلاها درجة ، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة ، فإذا سألتم اللّه تعالى فاسألوه الفردوس نُزُلًا أي منزلا ومأوى خالِدِينَ فِيها أي دائمين فيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي لا يطلبون عن تلك الجنات تحولا إلى موضع آخر لطيبتها ، وحصول مرادهم فيها ثم أمر سبحانه نبيّه ( ص ) فقال قُلْ يا محمد لجميع المكلفين لَوْ كانَ الْبَحْرُ وهو اسم الجنس ، أي لو كان البحر بمائة مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي أي مدادا ليكتب به ما يقدر اللّه عليه من الكلام والحكم وقيل : أراد بالكلمات ما يقدر سبحانه على أن يخلقه من الأشياء ، ويأمر به كما قال في عيسى ( ع ) : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي لفنى ماء البحر قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وقيل : ان كلماته المراد بها مقدوراته وحكمته وعجائبه وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً أي ولو جئنا بمثل البحر مدادا له ، أي عونا وزيادة . وقيل : أراد بكلمات ربي : معاني كلمات : ربي وفوائدها ، وهي القرآن وسائر كتبه ، ولم يرد بذلك أعيان الكلمات لأنه قد فرغ من كتابتها ، فيكون تقديره : قل لو كان البحر مدادا لكتابة معاني كلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كتابة معاني كلمات ربي ، فحذف لان المعنى مفهوم ، والمداد : هو الجائي والآتي شيئا بعد شيء قال ابن الأنباري : سمي المداد مدادا لامداده الكاتب ، ويقال للزيت الذي يوقد به السراج مداد ، وعن ابن عباس قال : لما نزل قوله : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قالت اليهود : أوتينا علما كثيرا ، أوتينا التوراة وفيها علم كثير ، فأنزل اللّه هذه الآية ثم قال قُلْ يا محمد إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ قال ابن عباس : علّم اللّه نبيّه التواضع لئلا يزهى على خلقه ، فأمره ان يقرّ على نفسه بأنه آدمي كغيره إلّا انه أكرم بالوحي وهو قوله يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له ، أي لا فضل لي عليكم إلّا بالدين والنبوة ، ولا علم لي إلّا ما علمنيه اللّه تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ أي فمن كان يطمع في لقاء ثواب ربه ويأمله ، ويقر بالبعث إليه ، والوقوف بين يديه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً أي خالصا للّه تعالى يتقرب به إليه وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر وقيل : معناه : لا يرائي في عبادته أحدا .