علي محمد علي دخيل
392
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
لهذا الكافر جماعة يدفعون عذاب اللّه عنه وَما كانَ مُنْتَصِراً أي وما كان ممتنعا ، قيل معناه : وما كان مستردا ما ذهب عنه هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هنالك : إشارة إلى يوم القيامة ، وتقديره : الولاية يوم القيامة للّه ، يريد يومئذ يتولون اللّه ويؤمنون به ، ويتبرءون مما كانوا يعبدون هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً أي عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره . 45 - 49 - وَاضْرِبْ يا محمد لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ أي نبت بذلك المال نبات التفّ بعضه ببعض يروق حسنا وغضاضة ، وهذا مفسر في سورة يونس ( ع ) فَأَصْبَحَ هَشِيماً أي كسيرا مفتتا تَذْرُوهُ الرِّياحُ فتنقله من موضع إلى موضع ، فانقلاب الدنيا كانقلاب هذا النبات وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً أي كان اللّه مقتدرا على كل شيء قبل كونه الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي يتفاخر بهما ، ويتزين بهما في الدنيا ، ولا ينتفع بهما في الآخرة ، وإنما سمّاهما زينة لأن في المال جمالا ، وفي البنين قوة ودفعا ، فصارا زينة الحياة الدنيا ، وكلاهما لا يبقى للإنسان فينتفع به في الآخرة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ وهي الطاعات للّه تعالى وجميع الحسنات لأن ثوابها يبقى أبدا خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا أي أفضل ثوابا ، وأصدق أملا من المال والبنين وسائر زهرات الدنيا ، فإن من الآمال كواذب وهذا أمل لا يكذب ، لأن من عمل الطاعة وجد ما يأمله عليها من الثواب وقيل إن الباقيات الصالحات هي ما كان يأتي به فقراء المسلمين وهو سبحانه اللّه والحمد للّه ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر عن ابن عباس في رواية عطا ومجاهد وعكرمة ، وروى انس ابن مالك عن النبي ( ص ) أنه قال لجلسائه : خذوا جنّتكم قالوا : احذر عدو ؟ قال : خذوا جنتكم من النار ، قولوا سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر فإنها المقدمات وهن المنجيات وهن المعقبات وهن الباقيات الصالحات ، ورواه أصحابنا عن أبي عبد اللّه ( ع ) عن آبائه عن النبي ( ص ) ثم قال : ولذكر اللّه أكبر قال : ذكر اللّه عندما أحل وحرّم . و روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : إذا عجزتم عن الليل ان تكابدوه ، وعن العدو ان تجاهدوه ، فلا تعجزوا عن قول : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر . فإنهن من الباقيات الصالحات فقولوها . وقيل : في الصلوات الخمس ، عن ابن مسعود وسعيد بن جبير ومسروق وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ يعني يوم القيامة ، وتسيير الجبال قلعها عن أماكنها ، فإن اللّه سبحانه يقلعها ويجعلها هباء منثورا وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً أي ظاهرة ليس عليها شيء من جبل أو بناء أو شجر يسترها عن عيون الناظرين وَحَشَرْناهُمْ أي وبعثناهم من قبورهم ، وجمعناهم في الموقف فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً أي فلم نترك منهم أحدا إلّا حشرناه وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ يعني المحشورين يعرضون على اللّه تعالى يوم القيامة صَفًّا أي مصفوفين كل زمرة وأمة صفا ويقال لهم لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ معناه : ليس معكم شيء مما اكتسبتموه في الدنيا من الأموال والأولاد والخدم تنتفعون به كما كنتم في أول الخلق بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً أي ويقال لهم أيضا : بل زعمتم في دار الدنيا أن اللّه لم يجعل لكم موعدا للبعث والجزاء والحساب يوم القيامة وَوُضِعَ الْكِتابُ والمعنى : ووضعت صحائف بني آدم في أيديهم فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ أي خائفين مما فيه من الأعمال السيئة وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا هذه لفظة يقولها الإنسان إذا وقع في شدة فيدعو على نفسه بالويل والثبور ما لِهذَا الْكِتابِ أي أيّ شيء لهذا الكتاب لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها أي لا يترك صغيرة من الذنوب ولا كبيرة إلّا عدّها وأثبتها وحواها ، وقد مرّ تفسير الصغيرة والكبيرة في سورة النساء ، وانث الصغيرة والكبيرة بمعنى الفعلة والخصلة وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً أي مكتوبا في الكتاب مثبتا