علي محمد علي دخيل
377
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يحولوا تلك الحالة إلى حالة أخرى فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا للحالة التي تكرهونها إلى حالة تحبونها ، يعني تحويل حال القحط إلى الخصب ، والفقر إلى الغنى ، والمرض إلى الصحة بيّن سبحانه ان من كان بهذه الصفة فإنه لا يصلح للإلهية ، ولا يستحق العبادة ، والمراد بالذين من دونه هم الملائكة والمسيح وعزير ثم رجع سبحانه إلى ذكر الأنبياء في الآية الأولى فقال أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ومعناه : أولئك الذين يدعون إلى اللّه تعالى ، ويطلبون القربة إليه بفعل الطاعات أَيُّهُمْ أَقْرَبُ معناه : أولئك الذين يدعونهم ويعبدونهم ويعتقدون انه آلهة من المسيح والملائكة ، يبتغون الوسيلة والقربة إلى اللّه تعالى بعبادتهم ، ويجتهد كل منهم ليكون أقرب من رحمته وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ أي وهم مع ذلك يستغفرون لأنفسهم فيرجون رحمته إن أطاعوا ، ويخافون عذابه ان عصوا ، ويعملون عمل العبيد إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً أي متقى يجب ان يحذر منه لصعوبته . 58 - 60 - ثم زاد سبحانه في الموعظة فقال وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ معناه : وما من قرية إلّا نحن مهلكوها بإماتة أهلها أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً وهو عذاب الاستئصال ، فيكون هلاك الصالحين بالموت ، وهلاك الطالحين بالعذاب في الدنيا فإنه يفني الناس ، ويخرّب البلاد قبل يوم القيامة ثم تقوم القيامة كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً أخبر ان ذلك كائن لا محالة ولا يكون خلافه ومعناه : كان ذلك الحكم في الكتاب الذي كتبه اللّه تعالى لملائكته وهو اللوح المحفوظ مكتوبا وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ التقدير : ما منعنا إرسال الآيات التي سألوها إلّا تكذيب الأولين ، ومعناه : انا لم نرسل الآيات التي اقترحتها قريش في قولهم حوّل لنا الصفا ذهبا ، وفجّر لنا الأرض ينبوعا إلى غير ذلك ، لأنا لو أرسلناها لم يؤمنوا فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة ، كما انا لما أجبنا الأولين من الأمم إلى آيات اقترحوها فكذّبوا بها عذبناهم بعذاب الاستئصال ، لأن من حكم الآية المقترحة انه إذا كذب بها وجب عذاب الاستئصال ، ومن حكمنا النافذ في هذه الآيات ان لا نعذبهم بعذاب الاستئصال ، لشرف محمد ( ص ) ، ولما يعلم في ذلك من المصلحة ، ولأن أمته باقية ، وشريعته مؤبدة إلى يوم القيامة ، فلذلك لم نجبهم إلى ذلك ، وأنزلنا من الآيات الواضحات ، والمعجزات البينات ما تقوم به الحجة ، وتنقطع به المعذرة وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً أي بينة ، أراد آية مبصرة كما قال : وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ومعناه : دلالة واضحة ظاهرة وهي ناقة صالح المخرجة من الصخرة على الصفة التي اقترحوها فَظَلَمُوا بِها أي فكفروا بتلك الآية ، وجحدوا بأنها من عند اللّه وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً أي لا نرسل الآيات التي نظهرها على الأنبياء إلّا عظة للناس وزجرا وتخويفا لهم من عذاب اللّه ان لم يؤمنوا . ثم خاطب سبحانه النبي ( ص ) فقال وَإِذْ قُلْنا لَكَ أي واذكر الوقت الذي قلنا لك يا محمد إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ أي أحاط علما بأحوالهم وبما يفعلونه من طاعة أو معصية ، وما يستحقونه على ذلك من الثواب والعقاب وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ان ذلك رؤيا رآها النبي ( ص ) في منامه ان قرودا تصعد منبره وتنزل ، فساءه ذلك واغتمّ به ، ولم يستجمع بعد ذلك ضاحكا حتى مات ، والشجرة الملعونة هي بنو أمية ، أخبره اللّه سبحانه بتغلبهم على مقامه ، وقتلهم ذريته وَنُخَوِّفُهُمْ أي نرهبهم بما نقص عليهم من هلاك الأمم الماضية فَما يَزِيدُهُمْ ذلك إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً أي عتوّا في الكفر عظيما ، وتماديا في الغيّ كبيرا ، لأنهم لا يرجعون عنه . 61 - 65 - ثم ذكر سبحانه قصة آدم ( ع ) وإبليس فقال