علي محمد علي دخيل

370

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أولي شوكة وقوة ونجدة ، وخلينا بينكم وبينهم خاذلين لكم فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي فطافوا وسط الديار يترددون وينظرون هل بقي منهم أحد لم يقتلوه وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا أي موعودا كائنا لا خلف فيه ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ أي رددنا لكم يا بني إسرائيل الدولة ، وأظهرناكم عليهم ، وعاد ملككم على ما كان عليه وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ أي وأكثرنا لكم أموالكم وأولادكم ، ورددنا لكم العدة والقوة وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً أي أكثر عددا وأنصارا من أعدائكم إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ معناه : إن أحسنتم في أقوالكم وأفعالكم فنفع إحسانكم عائد عليكم ، وثوابه واصل إليكم ، تنصرون على أعدائكم في الدنيا ، وتثابون في العقبى وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها معناه : وإن أسأتم فقد أسأتم إلى أنفسكم أيضا لأن مضرة الإساءة عائدة إليها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي جاء وعد فسادكم في الأرض في المرة الأخيرة ، أي الوقت الذي يكون فيه ما اخبر اللّه عنكم من الفساد والعدوان على العباد لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي غزاكم أعداؤكم وغلبوكم ودخلوا دياركم ليسوؤكم بالقتل والأسر وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي بيت المقدس ونواحيه ، فكنى بالمسجد وهو المسجد الأقصى عن البلد كما كنى بالمسجد الحرام عن الحرم ومعناه : وليستولوا على البلد لأنه لا يمكنهم دخول المسجد إلّا بعد الاستيلاء كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ دلّ بهذا على أن في المرة الأولى قد دخلوا المسجد أيضا وإن لم يذكر ذلك ومعناه : وليدخل هؤلاء المسجد كما دخله أولئك أول مرة وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً أي وليدمروا ويهلكوا ما غلبوا عليه من بلادكم تدميرا عَسى رَبُّكُمْ يا بني إسرائيل أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد انتقامه منكم ان تبتم ورجعتم إلى طاعته وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا معناه : وإن عدتم إلى الفساد عدنا بكم إلى العقاب لكم ، والتسليط عليكم كما فعلناه فيما مضى ، عن ابن عباس قال : انهم عادوا بعد الأولى والثانية فسلّط اللّه عليهم المؤمنين يقتلونهم ويأخذون منهم الجزية إلى يوم القيامة وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً أي سجنا وحبسا 9 - 12 - إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ معناه : ان هذا القرآن يهدي إلى الديانة والملة والطريقة التي هي أشد استقامة وقيل : يرشد إلى الكلمة التي هي أعدل الكلمات وأصوبها وهي كلمة التوحيد وقيل يهدي إلى الحال التي هي أعدل الحالات وهي توحيد اللّه والإيمان به وبرسله والعمل بطاعته عن الزجاج وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أي بأن لهم أَجْراً كَبِيراً أي ثوابا عظيما على طاعاتهم وَ يبشرهم أيضا ب أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي بالنشأة الآخرة أَعْتَدْنا لَهُمْ أي هيأنا لهم عَذاباً أَلِيماً وهو عذاب النار وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ ان الإنسان ربما يدعو في حال الزجر والغضب على نفسه وأهله وماله بما لا يحب ان يستجاب له فيه ، كما يدعو لنفسه بالخير ، فلو أجاب اللّه دعاءه لأهلكه لكنه لا يجيب بفضله ورحمته وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يعجل بالدعاء في الشر عجلته بالدعاء في الخير عن مجاهد ، وقيل : ضجرا لا صبر له على ضرّاء ولا على سرّاء ، عن ابن عباس ، وروي أنه أراد به آدم عليه السلام ، لما انتهت النفخة إلى سرّته أراد أن ينهض فلم يقدر ، فشبّه اللّه سبحانه ابن آدم بأبيه في الاستعجال ، وطلب الشيء قبل وقته وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ أي دلالتين يدلان على وحدانية خالقهما لما في كل واحد منهما من الفوائد من الكسب بالنهار والاستراحة بالليل ، والزيادة في أجزاء أحدهما بالنقصان من أجزاء الآخر ، ولأن كل واحد منهما ينقضي لمجيء الآخر وذلك يدل على حدوثهما ، وعلى أن لهما محدثا قادرا عالما ، وقد علمنا ضرورة أن أحدا من البشر لم يحدثهما لعجز البشر عن ذلك ، فدل على أنه من صنع القديم القادر لذاته ، العالم لذاته ، الذي ليس كمثله شيء ، ولا يتعذر عليه شيء فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ