علي محمد علي دخيل

34

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لعبيده : ليس يخفى علي ما أنتم فيه ، ومثله قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ . 150 - وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ منصرفا عن التوجه إلى بيت المقدس فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ المراد : أين ما كنت من البلاد فتوجه نحوه من كل جهات الكعبة وسائر الأقطار وقوله لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ معناه : لأن لا يكون لأهل الكتاب عليكم حجة إذا لم تصلوا نحو المسجد الحرام بأن يقولوا : ليس هذا هو النبي المبشّر به ، إذ ذاك نبيّ يصلي بالقبلتين إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يريد إلا الظالمين الذين يكتمون ما عرفوا من أنه يحول إلى الكعبة وقوله : فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي لما ذكرهم بالظلم والخصومة والمحاجة طيب نفوس المؤمنين فقال : لا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى ما يكون منهم ، فإن عاقبة السوء عليهم ولا حجة لأحد منهم عليكم ولا يد . وقوله وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم ( ع ) ، بين سبحانه أنه حول القبلة لهذين الغرضين : زوال القالة ، وتمام النعمة وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا ، ولعل من اللّه واجب . 151 - قوله : كَما أَرْسَلْنا معناه : أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة ، لأن اللّه تعالى لطف لعباده بها على ما يعلم من المصلحة ومحمود العاقبة وقوله : رَسُولًا يعني محمدا ( ص ) مِنْكُمْ بالنسب لأنه من العرب ، ووجه النعمة عليهم بكونه من العرب ما حصل لهم به من الشرف والذكر ، وإن العرب لم تكن لتتبع رسولا يبعث إليهم من غيرهم مع نخوتهم وعزتهم في نفوسهم ، فكون الرسول منهم يكون أدعى لهم إلى الإيمان به واتباعه وقوله : يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا أراد بها القرآن وَيُزَكِّيكُمْ ويعرضكم لما تكونون به أزكياء من الأمر بطاعة اللّه ، واتباع مرضاته وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ الكتاب القرآن ، والحكمة هي الوحي من السنة ، وما لا يعلم إلا من جهته من الأحكام ، وقوله : وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أي ما لا سبيل لكم إلى علمه إلا من جهة السمع ، فذكرهم اللّه بالنعمة فيه . 152 - فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ معناه : اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي وَاشْكُرُوا لِي أي اشكروا نعمتي وأظهروها واعترفوا بها وَلا تَكْفُرُونِ ولا تستروا نعمتي . 153 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ أي بحبس النفس عما تشتهيه من المقبحات ، وحملها على ما تنفر عنه من الطاعات وَالصَّلاةِ لما فيها من الذكر والخشوع للّه ، وتلاوة القرآن الذي يتضمن ذكر الوعد والوعيد ، والهدى والبيان ، وما هذه صفته يدعو إلى الحسنات ، ويزجر عن السيئات إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ المراد : هو معهم بالتوفيق والتسديد ، أي يسهل عليهم أداء العبادات ، والاجتناب من المقبحات ، ونظيره قوله سبحانه : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً . 154 - لما أمر اللّه سبحانه بالصبر والصلاة للازدياد في القوة بهما على الجهاد قال : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ فنهى أن يسمى من قتل في الجهاد أمواتا بَلْ أَحْياءٌ أي بل هم أحياء على الحقيقة إلى أن تقوم الساعة ، وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أي لا تعلمون أنهم أحياء . 155 - لما بيّن سبحانه ما كلّف عباده من العبادات عقّبه ببيان ما امتحنهم به من فنون المشقات فقال : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي ولنختبرنكم ومعناه : نعاملكم معاملة المختبر ليظهر المعلوم منكم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي بشيء من الخوف ، وشيء من الجوع ، وشيء من نقص الأموال ، وإنما عرفهم سبحانه ذلك ليوطنوا أنفسهم على