علي محمد علي دخيل

305

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

فيه عن الجبائي ، والأظهر أن يقال معناه : انه لا يتكلم أحد في الآخرة كلام نافع من شفاعة ، ووسيلة إلّا بإذنه فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ إخبار منه سبحانه بأنهم قسمان : أشقياء وهم المستحقون للعقاب ، وسعداء وهم المستحقون للثواب والشقي من شقي بسوء عمله في معصية اللّه ، والسعيد من سعد بحسن عمله في طاعة اللّه فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ يعني أن الذين شقوا باستحقاقهم العذاب جزاء على أعمالهم القبيحة داخلون في النار ، وإنّما وصفوا بالشقاوة قبل دخولهم النار لأنهم على حال تؤديهم إلى دخلوها لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ يريد ندامة ونفسا عاليا ، وبكاء لا ينقطع خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ الخلود بمدة دوام السماوات والأرض ، ومعنى الاستثناء بقوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الزيادة على هذا المقدار وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا أي سعدوا بطاعة اللّه ، وانتهائهم عن المعاصي فَفِي الْجَنَّةِ يكونون في الجنة خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي مدة دوام السماوات والأرض إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يأتي فيه ما ذكرناه في الاستثناء من الخلود في النار عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي غير مقطوع . 109 - 112 - فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ أي في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ من دون اللّه تعالى انه باطل ، وانهم يصيرون بعبادتهم إلى عذاب النار ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ يعني ما يعبدون غير اللّه تعالى إلّا على جهة التقليد كما كان آباؤهم كذلك وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي إنا لمعطوهم جزاء أعمالهم ، وعقاب أعمالهم وافيا غَيْرَ مَنْقُوصٍ عن مقدار ما استحقوه ، آيسهم سبحانه بهذا القول عن العفو وَلَقَدْ آتَيْنا أي أعطينا مُوسَى الْكِتابَ يعني التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ يريد أن قومه اختلفوا فيه ، أي في صحة الكتاب الذي انزل عليه ، وأراد بذلك تسلية النبي ( ص ) عن تكذيب قومه إياه ، وجحدهم للقرآن المنزل عليه ، فبيّن أن قوم موسى كذلك فعلوا بموسى فلا تحزن لذلك وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ أي لولا خبر اللّه السابق بأنه يؤخر الجزاء إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من المصلحة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي لعجّل الثواب والعقاب لأهله ، وقيل معناه : لفصل الأمر على التمام بين المؤمنين والكافرين بنجاة هؤلاء وهلاك أولئك وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ يعني ان الكافرين لفي شك من وعد اللّه ووعيده مريب ، والريب : أقوى الشك ، وقيل معناه : ان قوم موسى لفي شك من نبوته وَإِنَّ كُلًّا من الجاحدين والمخالفين وقيل إن كلا من الفريقين المصدق والمكذب جميعا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ أي يعطيهم ربك جزاء أعمالهم وافيا تاما ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يعني انه عليم بأعمالكم وبما استحققتم من الجزاء عليها لا يخفى عليه شيء من ذلك فَاسْتَقِمْ يا محمد كَما أُمِرْتَ أي استقم على الوعظ والإنذار ، والتمسك بالطاعة والأمر بها والدعاء عليها والاستقامة هو أداء المأمور به والانتهاء عن المنهي عنه كما أمرت في القرآن وَمَنْ تابَ مَعَكَ أي وليستقم من تاب معك من الشرك كما أمروا عن ابن عباس وقيل معناه : ومن رجع إلى اللّه وإلى نبيه فليستقم أيضا ، وليستقيموا على القبول وَلا تَطْغَوْا أي لا تجاوزوا أمر اللّه بالزيادة والنقصان فتخرجوا عن حد الاستقامة وقيل معناه : ولا تطغينكم النعمة فتخرجوا عن حد الاستقامة عن الجبائي وقيل معناه : لا تعصوا اللّه ولا تخالفوه إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي عليم بأعمالكم لا تخفى عليه منها خافية . و قال ابن عباس : ما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم آية كانت أشد عليه ، ولا أشق من هذه الآية ، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له : أسرع إليك الشيب يا رسول اللّه ! قال : شيبتي هود والواقعة .