علي محمد علي دخيل
273
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يطمعون في ثوابنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا الذي تتلوه علينا أَوْ بَدِّلْهُ فاجعله على خلاف ما تقرؤه والفرق بينهما أن الإتيان بغيره قد يكون معه وتبديله لا يكون إلا برفعه وقيل معنى قوله بدله غير أحكامه من الحلال أو الحرام أرادوا بذلك زوال الحظر عنهم وسقوط الأمر منهم وأن يخلي بينهم وبين ما يريدونه قُلْ يا محمد ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي أي من جهة نفسي ، وناحية نفسي ، ولأنه معجز فلا أقدر على الإتيان بمثله إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي ما اتبع إلّا الذي أوحي إليّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي في اتباع غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي يوم القيامة قُلْ يا محمد لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ معناه : لو شاء اللّه ما تلوت هذا القرآن عليكم بأن كان لا ينزله علي فلا أقرأه عليكم فلا تعلمونه فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أي فقد مكثت وأقمت بينكم دهرا طويلا من قبل إنزال القرآن فلم أقرأه عليكم ، ولا ادّعيت نبوة حتى أكرمني اللّه تعالى به أَ فَلا تَعْقِلُونَ أي أفلا تتفكرون فيه بعقولكم فتعلموا ان المصلحة فيما أنزله اللّه تعالى دون ما تقرءونه . والعقل : هو العلم الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد على الغائب ، والناس يتفاضلون فيه ، فبعضهم أعقل من بعض فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ أي لا أحد أظلم ممن اخترع على اللّه كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ أي المشركون . 18 - 20 - ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار فقال وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ أي ويعبد هؤلاء المشركون الأصنام التي لا يضرهم إن تركوا عبادتها ولا ينفعهم إن عبدوها . فإن قيل : كيف ذمهم على عبادة الصنم الذي لا ينفع ولا يضر ، مع أنه لو نفع وضرّ لا يجوز أيضا عبادته ؟ قلنا : عبادة من لا يقدر على أصول النعم وان قدر على النفع والضر إذا كان قبيحا فمن لا يقدر على النفع والضر أصلا من الجماد والحيوان تكون عبادته أقبح وأشنع ، فلذلك خصّه بالذكر وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا : انا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند اللّه ، وإن اللّه أذن لنا في عبادتها ، وانه سيشفعها فينا في الآخرة ، وتوهّموا ان عبادتها أشد في تعظيم اللّه سبحانه من قصده تعالى بالعبادة ، فجمعوا بين قبيح القول ، وقبيح الفعل ، وقبيح التوهم قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ أمر سبحانه نبيه ( ص ) أن يقول لهم على وجه الإلزام : أتخبرون اللّه بما لا يعلم من حسن عبادة الأصنام وكونها شافعة لأن ذلك لو كان صحيحا لكان تعالى به عالما ، ففي نفي علمه بذلك نفي المعلوم ومعناه : انه ليس في السماوات ولا في الأرض إله غير اللّه ، ولا أحد يشفع لكم يوم القيامة وقيل معناه : أتخبرون اللّه بشريك أو شفيع لا يعلم شيئا كما قال ويعبدون من دون اللّه ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض فكذلك وصفهم بأنهم لا يعلمون في السماوات والأرض شيئا سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزّه اللّه تعالى عن أن يكون له شريك في استحقاق العبادة وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ان الناس كانوا جميعا على الحق وعلى دين واحد فاختلفوا في الدين الذي كانوا مجتمعين عليه قيل : انهم اختلفوا على عهد آدم وولده ، عن ابن عباس والسدي ومجاهد والجبائي وأبي مسلم ، ومتى اختلفوا ؟ قيل : عند قتل أحد ابنيه أخاه . وقيل اختلفوا بعد موت آدم عليه السّلام ، وأنهم كانوا على شرع واحد ودين واحد زمن نوح وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ من أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعاما عليهم في التأني بهم لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي فصل بينهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بأن يهلك العصاة وينجي المؤمنين ، لكنّه أخرهم إلى يوم القيامة تفضلا منه إليهم ، وزيادة في الانعام عليهم ، ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار فقال وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي هلا أنزل على