علي محمد علي دخيل
246
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ معناه : فما استقاموا لكم على العهد ، أي ما داموا باقين معكم على الطريقة المستقيمة فكونوا معهم كذلك إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ للنكث والغدر كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ معناه : كيف يكون لهؤلاء عهد عند اللّه وعند رسوله وهم بحال أن يظهروا عليكم ويظفروا بكم ويغلبوكم لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً أي لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدا يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ معناه : يتكلمون بكلام الموالين لكم لترضوا عنهم وتأبى قلوبهم إلّا العداوة والغدر ونقض العهد وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ أي متمردون في الكفر والشرك . 9 - 13 - ثم بيّن سبحانه خصال القوم فقال : اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ومعناه : أعرضوا عن دين اللّه وصدّوا الناس عنه بشيء يسير نالوه من الدنيا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بئس العمل عملهم لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً سبق معناه والفائدة في الإعادة أن الأول في صفة الناقضين للعهد ، والثاني في صفة الذين اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ أي المجاوزون الحدّ في الكفر والطغيان فَإِنْ تابُوا أي ندموا على ما كان منهم من الشرك ، وعزموا على ترك العود إليه ، وقبلوا الإسلام وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ أي قبلوهما وأدّوهما عند لزومهما فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي فهم اخوانكم في الدين فعاملوهم معاملة اخوانكم من المؤمنين وَنُفَصِّلُ الْآياتِ أي نبيّنها ونميّزها بخاصة لكل واحدة منها تتميّز بها من غيرها حتى يظهر مدلولها على أتم ما يكون من الظهور فيها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ذلك ويتبيّنونه دون الجهال الذين لا يتفكّرون وَإِنْ نَكَثُوا أي نقضوا أَيْمانَهُمْ أي عهودهم وما حلفوا عليه مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ أي من بعد أن عقدوه وما حلفوا عليه وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ أي عابوه وقدحوا فيه فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي رؤساء الكفر والضلالة ، وخصهم بالأمر بقتالهم لأنهم يضلّون أتباعهم . قال الحسن : وأراد به جماعة الكفار ، وقال ابن عباس : أراد به رؤساء قريش مثل : الحرث بن هشام ، وأبي سفيان بن حرب وعكرمة ، وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد ، وكان حذيفة بن اليمان يقول : لم يأت أهل هذه الآية بعد . وقال مجاهد : هم أهل فارس والروم ، وقرأ عليّ عليه السلام هذه الآية يوم البصرة ثم قال : أما واللّه لقد عهد إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقال لي : لتقاتلن الفئة الناكثة والفئة الباغية والفئة المارقة إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ معناه : لا تؤمنوهم بعد نكثهم العهد ، ويحتمل أن يكون معناه : انهم إذا آمنوا إنسانا لا يفون به لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ معناه : قاتلوهم لينتهوا عن الكفر فإنهم لا ينتهون عنه بدون القتال أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وهم اليهود الذين نقضوا العهد وخرجوا مع الأحزاب وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي بدءوكم بنقض العهد عن أبي إسحاق والجبائي وقيل : بدءوكم بقتال حلفاء النبي صلّى اللّه عليه وآله من خزاعة ، عن الزجاج ، وقيل : بدءوكم بالقتال يوم بدر وقالوا حين سلم العير لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه أَ تَخْشَوْنَهُمْ أي أتخافون أن ينالكم من قتالكم مكروه ؛ لفظه استفهام والمراد به تشجيع المؤمنين وفي ذلك غاية الفصاحة لأنه جمع بين التقريع والتشجيع فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ المعنى : لا تخشوهم ولا تتركوا قتالهم خوفا على أنفسكم منهم فإنه سبحانه أحقّ أن تخافوا عقابه في ترك أمره بقتالهم إن كنتم مصدقين بعقاب اللّه وثوابه ، أي إن كنتم مؤمنين فخشية اللّه أحقّ من خشية غيره واللّه أعلم وأحكم . 14 - 15 - ثم أكّد سبحانه ما تقدّم بأن أمر المسلمين