علي محمد علي دخيل

189

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

128 - 129 - ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً أي يجمعهم ، يريد جميع الخلق يا مَعْشَرَ الْجِنِّ أي يا جماعة الجن قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي قد استكثرتم ممن أضللتموه من الإنس ومعناه : من اغواء الإنس واضلالهم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ أي متبعوهم مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أي انتفع بعضنا ببعض قيل : ان استمتاع الجن بالإنس ان اتخذهم الإنس قادة ورؤساء فاتبعوا أهواءهم ، واستمتاع الإنس بالجن انتفاعهم في الدنيا بما زيّن لهم الجن من اللذات ، ودعوهم اليه من الشهوات وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني بالأجل الموت قالَ اللّه تعالى لهم النَّارُ مَثْواكُمْ أي مقامكم ، والثواء : الإقامة خالِدِينَ فِيها أي دائمين مؤبدين فيها معذبين إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ان الاستثناء راجع إلى غير الكفار من عصاة المسلمين الذين هم في مشيئة اللّه تعالى ، ان شاء عذبهم بذنوبهم بقدر استحقاقهم عدلا ، وان شاء عفا عنهم فضلا إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ أي محكم لأفعاله ، عليم بكل شيء وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ الكاف للتشبيه ، أي كذلك المهل بتخلية بعضهم عن بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الأعمال ، توليتنا بعض الظالمين بعضا بأن نجعل بعضهم يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على الاستحقاق . 130 - 132 - ثم بيّن عزّ وجل تمام ما يخاطب به الجن والإنس يوم القيامة بأن يقول : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ والمعشر ، الجماعة التامة من القوم التي تشتمل على أصناف الطوائف أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ هذا احتجاج عليهم بأن بعث إليهم الرسل اعذارا وانذارا وتأكيدا للحجة عليهم يَقُصُّونَ أي يتلون ويقرءون عَلَيْكُمْ آياتِي أي حججي ودلائلي وبيناتي وَيُنْذِرُونَكُمْ أي يخوفونكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي لقاء ما تستحقونه من العقاب في هذا اليوم ، وحصولكم فيه يوم القيامة قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا بالكفر والعصيان في حال التكليف ، ولزوم الحجة ، وانقطاع المعذرة ، اعترفنا بذلك وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي تزينت لهم بظاهرها حتى اغتروا بها وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ في الآخرة أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ في الدنيا ، أي اقرّوا بذلك وشهدوا باستحقاقهم العقاب ذلِكَ حكم اللّه تعالى أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ أي لم يكن ربك مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ وهذا يجري مجرى التعليل ، أي انه لم يكن اللّه تعالى ليهلك أهل القرى بظلم يكون منهم حتى يبعث إليهم رسلا ينبهونهم على حجج اللّه تعالى ، ويزجرونهم ويذكرونهم ، ولا يؤاخذهم بغتة ومثله قوله : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ، وفي هذا دلالة واضحة على أنه تعالى منزه عن الظلم وَلِكُلٍّ أي ولكل عامل طاعة أو معصية دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا أي مراتب في عمله على حسب ما يستحقه فيجازى عليه ، ان كان خيرا فخير ، وان كان شرا فشر ، وانما سميت درجات لتفاضلها كتفاضل الدرج في الارتفاع والانحطاط وَما رَبُّكَ يا محمد أو أيّها السامع بِغافِلٍ أي ساه عَمَّا يَعْمَلُونَ أي لا يشذّ شيء من ذلك عن علمه فيجازيهم على حسب ما يستحقونه من الجزاء وفي هذا تنبيه وتذكير للخلق في كل أمورهم . 133 - 135 - لما أمر سبحانه بطاعته وحثّ عليها ، ورغّب فيها ، بيّن أنه لم يأمر بها لحاجة لأنه يتعالى عن النفع والضر فقال : وَرَبُّكَ أي خالقك وسيدك الْغَنِيُّ عن أعمال عباده ، لا تنفعه طاعتهم ، ولا تضرّه معصيتهم ذُو الرَّحْمَةِ