علي محمد علي دخيل

179

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

القيامة يجازي كل عامل منكم بعمله وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ معناه : خلقهما للحق لا للباطل كما قال : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ أي واتقوا يوم يقول كن فيكون وقيل : إن قوله : كُنْ فَيَكُونُ فيه إضمار جميع ما يخلق في ذلك الوقت ، وهذا إنما ذكر ليدل على سرعة أمر يخلق في ذلك الوقت ، وهذا إنما ذكر ليدل على سرعة أمر البعث والساعة فكأنه يقول : ويوم يقول للخلق موتوا يموتون ، وانتشروا فينتشرون ، أي لا يتعذر عليه ذلك ولا يتأخر عن وقت إرادته قَوْلُهُ الْحَقُّ أي يأمر فيقع أمره ، أي ما وعدوا به من الثواب ، وحذروا به من العقاب وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ إن الملك قد وجب له في ذلك اليوم الذي فيه ينفخ في الصور ، فقد خص ذلك اليوم بأن الملك له فيه كما خصه في قوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ، والوجه فيه : أنه لا يبقى ملك من ملّكه اللّه في الدنيا ، أو تغلّب عليه ، بل يتفرد سبحانه بالملك . وأما الصور فقيل فيه : إنه قرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام نفختين ، فتفنى الخلائق كلهم بالنفخة الأولى ، ويحيون بالنفخة الثانية ، فتكون النفخة الأولى لانتهاء الدنيا ، والثانية لابتداء الآخرة . عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعلم ما لا يشاهده الخلق وما يشاهدونه وَهُوَ الْحَكِيمُ في أفعاله الْخَبِيرُ العالم بعباده وأفعالهم . 74 - 75 - وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ أي واذكر إذ قال لِأَبِيهِ آزَرَ فيه أقوال ( أحدها ) أنه اسم أبي إبراهيم ( وثانيها ) أن اسم أبي إبراهيم تارخ ، قال الزجاج : ليس بين النسابين اختلاف أن اسم أبي إبراهيم تارخ وهذا الذي قاله الزجاج يقوي ما قاله أصحابنا : ان آزر كان جد إبراهيم لأمه حيث صح عندهم أن آباء النبي إلى آدم كلهم كانوا موحدين وأجمعت الطائفة على ذلك ، وروي عن النبي ( ص ) أنه قال : لم يزل ينقلني اللّه من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا ، ولم يدنسني بدنس الجاهلية ، ولو كان في آبائه كافرين ، لم يصف جميعهم بالطهارة ، ومع قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً استفهام المراد به الإنكار ، أي لا تفعل ذلك إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ عن الصواب مُبِينٍ ظاهر وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ أي مثل ما وصفناه من قصة إبراهيم ، وقوله لأبيه ما قال ، نريه مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني كشط اللّه له عن الأرضين حتى رآهن وما تحتهن ، وعن السماوات حتى رآهن وما بهن من الملائكة ، وحملة العرش وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي من المتيقنين بأن اللّه سبحانه هو خالق ذلك والمالك له . 76 - 79 - لما تقدّم ذكر الآيات التي أراها اللّه تعالى إبراهيم ( ع ) بيّن سبحانه كيف استدلّ بها ، وكيف عرف الحق من جهتها فقال : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أي أظلم عليه ، وستر بظلامه كل ضياء رَأى كَوْكَباً واختلف في الكوكب الذي رآه فقيل : هو الزهرة ، وقيل : هو المشتري قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ أي غرب قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ علم أن الأفول لا يجوز على الإله ، فاستدلّ بذلك على أنه محدث مخلوق ، وكذلك كانت حاله في رؤية القمر والشمس فإنه لما رأى أفولهما قطع على حدوثهما واستحالة إلهيتهما فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً عند طلوعه ورأى كبره وإشراقه ، وانبساط نوره وضياءه في الدنيا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ وصار مثل الكوكب في الأفول والغيبوبة ، وعلم أنه لا يجوز أن يكون ذلك صفة الإله قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي إلى رشدي ، ولم يوفقني ويلطف بي في إصابة الحق من توحيده لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ بعبادة هذه الحوادث فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً أي طالعة ، وقد ملأت الدنيا نورا ، ورأى عظمها وكبرها قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ من الكوكب والقمر فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ حينئذ لقومه يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مع اللّه الذي