علي محمد علي دخيل

175

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يرجون الوصول إلى ربهم ترغبهم فيما عنده ، فإن القرآن شافع مشفّع لهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ أي غير اللّه وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لأن شفاعة الأنبياء وغيرهم للمؤمنين إنما تكون بإذن اللّه لقوله سبحانه : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فذلك راجع إلى اللّه تعالى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ كي يخافوا في الدنيا ، وينتهوا عما نهيتهم عنه . 52 - 53 - ثم نهى سبحانه رسوله عليه وآله السلام عن إجابة المشركين فيما اقترحوه عليه من طرد المؤمنين فقال : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يريد يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة يُرِيدُونَ وَجْهَهُ يعني يطلبون ثواب اللّه ، ويعملون ابتغاء مرضاة اللّه ، لا يعدلون باللّه شيئا ، قال الزجاج : شهد اللّه لهم بصدق النيات ، وأنهم مخلصون في ذلك له ، أي يقصدون الطريق الذي أمرهم بقصده ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ يريد ما عليك من حساب المشركين شيء ، ولا عليهم من حسابك شيء ، إنما اللّه الذي يثيب أولياءه ، ويعذب أعداءه فَتَطْرُدَهُمْ أي ليس رزقهم عليك ولا رزقك عليهم ، وإنما يرزقك وإياهم الرزاق فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ لهم بطردهم عن ابن زيد وقيل : فتكون من الضارين لنفسك بالمعصية عن ابن عباس وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي كما ابتلينا قبلك الغني بالفقير ، والشريف بالوضيع ، ابتلينا هؤلاء الرؤساء من قريش بالموالي فإذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله حمي أنفا أن يسلم ويقول : سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم ، وإنما قال سبحانه : فتنا وهو لا يحتاج إلى الاختبار لأنه عاملهم معاملة المختبر لِيَقُولُوا هذه لام العاقبة ، المعنى : فعلنا هذا ليصبروا ويشكروا ، فآل أمرهم إلى هذه العاقبة أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا والاستفهام معناه الإنكار ، كأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة ، أو خصّوا بمنة أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ هذا استفهام تقرير أي انه كذلك . 54 - ثم أمر سبحانه نبيّه بتعظيم المؤمنين فقال : وَإِذا جاءَكَ يا محمد الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ أي يصدّقون بِآياتِنا أي بحججنا وبراهيننا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أمر نبيّه ( ص ) أن يسلّم عليهم من اللّه تعالى ، فهو تحية من اللّه على لسان نبيه ( ص ) كَتَبَ رَبُّكُمْ أي أوجب ربكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إيجابا مؤكدا ، وقيل معناه : كتبه في اللوح المحفوظ ، وقد سبق بيان هذا في أول السورة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ أنه عمله وهو جاهل بمقدار المكروه فيه ، أي لم يعرف أن فيه مكروها ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ أي رجع عن ذنبه ولم يصر على ما فعل ، وأصلح عمله فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . 55 - ثم عطف سبحانه على الآيات التي احتجّ بها على مشركي مكة وغيرهم فقال : وَكَذلِكَ أي كما قدّمنا من الدلالات على التوحيد والنبوة نُفَصِّلُ الْآياتِ وهي الحجج والدلالات أي نميزها ونبينها ونشرحها على صحة قولكم ، وبطلان ما يقوله هؤلاء الكفار وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ أي ليظهر طريق من عاند بعد البيان لمن أراد التفهم لذلك من المؤمنين ليجانبوها ، ويسلكوا غيرها . 56 - ثم أمر اللّه سبحانه نبيّه بأن يظهر البراءة مما يعبدونه فقال : قُلْ يا محمد إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام التي تعبدونها وتدعونها آلهة قُلْ يا محمد لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادتها ، أي إنما عبدتموها على طريق الهوى لا على طريق البيّنة ، والبرهان قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً أي إن أنا فعلت ذلك وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ الذين سلكوا سبيل الدين . 57 - 58 - لما أمر النبي ( ص ) بأن يتبرّأ مما يعبدونه عقّب