علي محمد علي دخيل
173
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ أي ما من حيوان يمشي على وجه الأرض وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ جمع بهذين اللفظين جميع الحيوانات لأنها لا تخلوا إما أن تكون مما يطير بجناحيه ، أو يدب إِلَّا أُمَمٌ أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها ، يشتمل كل صنف على العدد الكثير أَمْثالُكُمْ يريد أشباهكم في إبداع اللّه إياها ، وخلقه لها ، ودلالتها على أن لها صانعا ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ أي ما تركنا ، وقيل معناه : ما قصرنا ، ويريد بالكتاب القرآن لأنه ذكر جميع ما يحتاج إليه فيه من أمور الدين والدنيا وهذا مثل قوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ معناه : يحشرون إلى اللّه بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد ويؤيده قوله : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ . ومعنى إلى ربهم : إلى حيث لا يملك النفع والضر إلّا اللّه سبحانه إذ لم يمكّن منه كما مكّن في الدنيا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بالقرآن صُمٌّ وَبُكْمٌ قد بيّنا معناهما في سورة البقرة فِي الظُّلُماتِ أي في ظلمات الكفر والجهل لا يهتدون إلى شيء من منافع الدين مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ هذا مجمل قد بيّنه في قوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ، وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ، والمعنى : من يشاء اللّه يخذله بأن يمنعه الطافه وفوائده وذلك إذا واتر عليه الأدلة ، وأوضح له الحجج فأعرض عنها ، ولم ينعم النظر وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي ومن يشأ أن يرحمه ويهديه إلى الجنة يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة . 40 - 41 - ثم أمر سبحانه نبيّه بمحاجة الكفار فقال : قُلْ يا محمد لهؤلاء الكفار أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ في الدنيا كما نزل بالأمم قبلكم مثل عاد وثمود أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أي القيامة أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ أي أتدعون فيها لكشف ذلك عنكم هذه الأوثان التي تعلمون أنها لا تقدر أن تنفع أنفسها ولا غيرها ، أو تدعون اللّه هو خالقكم ومالككم لكشف ذلك عنكم ؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أن هذه الأوثان آلهة لكم . احتجّ سبحانه عليهم بما لا يدفعونه لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا اللّه ، ثم قال : بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ وبل استدراك وإيجاب بعد نفي ، أعلمهم اللّه تعالى أنهم إذا لحقتهم الشدائد في البحار والبراري والقفار يتضرّعون إليه ، ويقبلون عليه فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ أي يكشف الضرّ الذي من أجله دعوتم إن شاء أن يكشفه وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ أي تتركون دعاء ما تشركون من دون اللّه لأنه ليس عندهم ضرر ولا نفع . 42 - 45 - وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رسلا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فخالفوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ يريد به الفقر والبؤس والأسقام والأوجاع لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ومعناه : لكي يتضرعوا فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا معناه : فهلا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فأقاموا على كفرهم فلم تنجع فيهم العظة وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ بالوسوسة والإغراء بالمعصية لما فيها من عاجل اللذة ما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني أعمالهم فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي تركوا ما وعظوا به وتأويله : تركوا العمل بذلك فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي كل نعمة وبركة من السماء والأرض والمعنى : أنه تعالى امتحنهم بالشدائد لكي يتضرعوا ويتوبوا ، فلما تركوا ذلك فتح عليهم أبواب النعم والتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من النعم ، واشتغلوا بالتلذذ ، وأظهروا السرور بما أعطوه ، ولم يروه نعمة من اللّه تعالى حتى يشكروه أَخَذْناهُمْ أي أحللنا بهم