علي محمد علي دخيل
162
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
هذا ، فلولا كونه سبحانه عالما بالأشياء قبل كونها لما كان هذا التدبير وفقا للصلاح . 98 - 99 - اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب وأناب وأطاع ، وجمع بين المغفرة والرحمة ليعلم أنه لا يقتصر على وضع العقاب عنه بل ينعم عليه بفضله ، ولما أنذر وبشّر في هذه الآية عقبها بقوله ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ أي ليس على الرسول إلا أداء الرسالة ، وبيان الشريعة ، فأما القبول والامتثال فإنه يتعلق بالمكلفين المبعوث إليهم وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ أي لا يخفى عليه شيء من أحوالكم التي تظهرونها وتخفونها ، وفيه غاية الزجر والتهديد . 100 - قُلْ يا محمد لا يَسْتَوِي أي لا يتساوى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ أي الحرام والحلال وقيل : الكافر والمؤمن وَلَوْ أَعْجَبَكَ أيها السامع ، أو أيها الإنسان كَثْرَةُ الْخَبِيثِ أي كثرة ما تراه من الحرام لأنه لا يكون في الكثير من الحرام بركة ، ويكون في القليل من الحلال بركة فَاتَّقُوا اللَّهَ أي فاجتنبوا ما حرّم اللّه عليكم يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوي العقول لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لتفلحوا وتفوزوا بالثواب العظيم ، والنعيم المقيم . 101 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ خاطب اللّه المؤمنين ونهاهم عن المسألة عن أشياء لا يحتاجون إليها في الدين ، إذا أبديت وأظهرت ساءت وحزنت وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ معناه : وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن تحتاجون إليها في الدين من بيان محمد ( ص ) ونحو ذلك تكشف لكم ، وهذه الأشياء غير الأشياء الأولى عَفَا اللَّهُ عَنْها أي عفا اللّه عن تبعة سؤالكم وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ فلا تعودوا إلى مثلها فيكون تقدير الآية : لا تسألوا عن أشياء ترك اللّه ذكرها وبيانها لأنكم لا تحتاجون إليها في التكليف ان تظهر لكم تحزنكم وتغمكم . 102 - 103 - ثم أخبر سبحانه أن قوما سألوا مثل سؤالهم فلما أجيبوا إلى ما سألوا كفروا فقال : قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ انهم قوم عيسى ( ع ) سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ يريد ما حرّمها على ما حرمها أهل الجاهلية من ذلك ، ولا أمر بها ، والبحيرة : هي الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها ، وامتنعوا من ركوبها ونحرها ، ولا تطرد عن ماء ولا تمنع من مرعى ، فإذا لقيها المعيي لم يركبها وَلا سائِبَةٍ وهي ما كانوا يسيبونه ، فإن الرجل إذا نذر القدوم من سفر ، أو البرء من علة أو ما أشبه ذلك قال : ناقتي سائبة ، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ، وأن لا تخلى عن ماء ، ولا تمنع من مرعى وَلا وَصِيلَةٍ وهي في الغنم ، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم ، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم ، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وَلا حامٍ وهو الذكر من الإبل ، كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهره فلا يحمل عليه ، ولا يمنع من ماء ولا من مرعى . أعلم اللّه أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئا وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ هذا إخبار منه تعالى أن الكفار يكذبون على اللّه بادعائهم أن هذه الأشياء من فعل اللّه أو أمره وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ خصّ الأكثر بأنهم لا يعقلون لأنهم اتباع ، فهم لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء كما يعقله الرؤساء ، عن قتادة والشعبي وقيل : إن معناه : أن أكثرهم لا يعقلون ما حرّم عليهم وما حلل لهم ، يعني أن المعاند هو الأقل منهم ، عن أبي علي الجبائي . وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول المجبرة لأنه سبحانه نفى أن يكون جعل البحيرة وغيرها ، وعندهم أنه سبحانه هو الجاعل والخالق له .