علي محمد علي دخيل
115
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
معناه : انه قادر لا يمتنع عليه انجاز ما توعد به أو وعده حَكِيماً في تدبيره وتقديره ، وفي تعذيب من يعذبه وَالَّذِينَ آمَنُوا بكل ما يجب الإيمان به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات الصالحة الخالصة سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت أشجارها وقصورها الأنهار خالِدِينَ فِيها أي دائمين فيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ طهرن من الحيض والنفاس ، ومن جميع المعايب والأدناس والأخلاق الدنية ، والطبائع الردية ، لا يفعلن ما يوحش أزواجهن ، ولا يوجد فيهن ما ينفر عنهن وَنُدْخِلُهُمْ في ذلك ظِلًّا ظَلِيلًا أي كنينا ليس فيه حر ولا برد بخلاف ظل الدنيا . 58 - ثم أمر سبحانه بأداء الأمانة فقال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها المعنى : انها في كل من اؤتمن أمانة من الأمانات ، وأمانات اللّه أوامره ونواهيه ، وأمانات عباده فيما يأتمن بعضهم بعضا من المال وغيره وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أمر اللّه الولاة والحكام أن يحكموا بالعدل والنصفة إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ من الأمر برد الأمانة ، والنهي عن الخيانة ، والحكم بالعدل ، ومعنى الوعظ : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بجميع المسموعات و بَصِيراً بجميع المبصرات . 59 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ أي الزموا طاعة اللّه سبحانه فيما أمركم به ونهاكم عنه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي والزموا طاعة رسوله ( ص ) أيضا وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ عن الباقر والصادق ( ع ) : ان أولي الأمر هم الأئمة من آل محمد أوجب اللّه طاعتهم بالاطلاق ، كما أوجب طاعته وطاعة رسوله ، ولا يجوز أن يوجب اللّه طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته ، وعلم أن باطنه كظاهره ، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح ، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا العلماء ، جلّ اللّه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه ، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل ، لأنه محال أن يطاع المختلفون ، كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه ، ومما يدل على ذلك أيضا ان اللّه تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلا وأولو الأمر فوق الخلق جميعا ، كما أن الرسول فوق أولي الأمر وفوق سائر الخلق ، وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد ( ص ) الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم ، واتفقت الأمة على علو رتبتهم وعدالتهم فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ معناه : فإن اختلفتم في شيء من أمور دينكم فردوا التنازع فيه إلى كتاب اللّه وسنة الرسول ، ثم أكّد سبحانه ذلك وعظّمه بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فما أبين هذا وأوضحه ذلِكَ إشارة إلى طاعة اللّه وطاعة رسوله وأولي الأمر ، والرد إلى اللّه والرسول خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي أحمد عاقبة وقيل : خير لكم في الدنيا ، وأحسن عاقبة في الآخرة . 60 - 61 - أَ لَمْ تَرَ أي ألم تعلم إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من التوراة والإنجيل يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يعني كعب بن الأشرف وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ يعني به قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ بما زين لهم أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً عن الحق . نسب اضلالهم إلى الشيطان وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي المنافقين تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ في القرآن من الأحكام وَإِلَى الرَّسُولِ في حكمه