مجمع البحوث الاسلامية
89
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ التّحريم : 2 ؟ قلنا : لأنّ كفّارة اليمين لم تكن لأحد قبلنا ، بل هي لنا ممّا أكرم اللّه به هذه الأمّة ، بدليل قوله تعالى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ . 3 - سوّغ الماورديّ للمريض وذي الزّمانة الحنث في اليمين ، ولم يسوّغ ذلك في غيره . غير أنّه قاس هذا الحكم على أيّوب عليه السّلام أيضا ، كما يلوح من ظاهر كلامه ، وهو باطل ، لأنّ الحنث من وساوس الشّيطان ، والأنبياء لا تعتريهم الوساوس والشّياطين . ثانيا : جاء الحنث في ( 2 ) بمعنى الذّنب والإثم أيضا كما في ( 1 ) ، وفيها بحوث : 1 - اختلف في المراد به ، فقال ابن عبّاس : « الشّرك باللّه » ، وقال الشّعبيّ : « اليمين الغموس » ، وقال مجاهد : « الذّنب العظيم الّذي لا يتوبون منه » ، وقال الزّجّاج : « الكفر بالبعث » . واستدلّ الفخر الرّازيّ على قول ابن عبّاس بقوله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لقمان : 13 . واستدلّ الواحديّ على قول الشّعبيّ بقوله : وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا الواقعة : 47 ، واستدلّ النّسفيّ عليه بقوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ النّحل : 38 ، وهو دليل على الكفر بالبعث أيضا ، كما استدلّ بذلك الزّجّاج . وروى البروسويّ عن بعض : أنّ المراد به الكذب ، واستدلّ بقوله : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ الواقعة : 51 . 2 - قال الفخر الرّازيّ : « فيه مبالغات من وجوه » : أحدها : قوله تعالى : كانُوا يُصِرُّونَ وهو آكد من قول القائل : إنّهم قبل ذلك أصرّوا ، لأنّ اجتماع لفظي الماضي والمستقبل يدلّ على الاستمرار ، لأنّ قولنا : فلان كان يحسن إلى النّاس ، يفيد كون ذلك عادة له . ثانيها : لفظ الإصرار ، فإنّ الإصرار مداومة المعصية والغلول ، ولا يقال في الخير : أصرّ . ثالثها : الحنت ، فإنّه فوق الذّنب ، فإنّ الحنث لا يكاد في اللّغة يقع على الصّغيرة ، والذّنب يقع عليها . وأمّا الحنث في اليمين فاستعملوه ، لأنّ نفس الكذب عند العقلاء قبيح ، فإنّ مصلحة العالم منوطة بالصّدق ، وإلّا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة ، فلا يبنى على كلامه مصالح ، ولا يجتنب عن مفاسد . . . » . 3 - وصف الحنث هنا بأنّه عظيم ، كما وصف الإثم به أيضا في قوله : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً النّساء : 48 ، وما وصف لفظ آخر من نظائره بهذه الصّفة غيره ، وهذا ينبئ بقرب الإثم منه معنى . ومن الملفت للنّظر أنّ الإثم وصف بأنّه كبير في قوله : قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ البقرة : 219 ، ووصف بأنّه مبين أيضا في مواضع ، منها قوله : أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً النّساء : 20 ، كما وصف لفظان آخران من نظائر الحنث والإثم بالكبر ، وهما : الحوب في قوله : إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً النّساء : 2 ، والخطء في قوله : إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً الإسراء : 31 . وهذا يعني أنّهما - إضافة إلى الإثم - أقرب الألفاظ بهذا المعنى إلى الحنث . وهناك ألفاظ أخرى نظير للحنث لم توصف بوصف مّا ، نحو : الذّنب ، والجرم ، والخطيئة ، والحرج ، والجناح ، والإصر .