مجمع البحوث الاسلامية

42

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

السّلاسل ، فيظهر منه أيضا أنّ السّحب يكون في السّلاسل ، لكنّه قال في تفسير الآية : « يسحبون في الحميم أي يجرّون في الماء الحارّ الّذي قد انتهت حرارته » فأرجع ( يسحبون ) - وقد ختمت به الآية رعاية للرّويّ - إلى ما بعدها ، وعطف عليه ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ . وعليه فتكون السّلاسل عطفا على الأغلال ، أي إذ الأغلال والسّلاسل في أعناقهم . ويبدو أنّ هذا أقرب إلى الذّوق القرآنيّ ؛ حيث جمع بين المماثلات : بين « الأغلال والسّلاسل » وبين « يسحبون ويسجرون » أي بين السّحب في الماء والسّجر في النّار مضافا إلى أنّ الصّحيح على الوجه الأوّل أن يقرأ ( يسحبون ) معلوما و ( السّلاسل ) مفتوحا كما روي عن ابن مسعود . فاختلاف الإعراب ناشىء عن اختلاف القراءة . وعلى الوجه الثّاني يوافق الفعلان ( يسحبون ) و ( يسجرون ) في البناء على المفعول . لاحظ « غ ل ل ، وس ل س ل ، وس ح ب ، وس ج ر » . والآيتان ( 10 و 11 ) وتمامهما : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وفيهما بحوث أيضا : 1 - جاء في صدرها ( الحميم ) بعد شجرة الزّقّوم أيضا ، كما في آيات « الصّافّات والواقعة » بتفاوت : وهو أنّ المذكور في تلك الآيات : شرب الحميم على أكل الزّقّوم مالئون منها البطون ، وفي هذه الآيات بدل ذلك : طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ، فذكر الطّعام بدل الأكل ، والغلي في البطون بدل ملء البطون ، فجعل الغلي مرّة للطّعام ، ومرّة للحميم ، أي كلّ من الطّعام والشّراب يغلي في البطون . وبهذا يخطر بالبال الخلط والشّوب بينهما المذكور في ( 6 ) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ . 2 - جعل الطّعام فيها أيضا - كما في تلك - نفس شجرة الزّقّوم دون ثمرها مبالغة ، لكنّه قيّدها ب الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ ، و ( الأثيم ) هنا صيغة مبالغة ، وهو الّذي يصدر عنه الإثم كثيرا - وقالوا : أريد به أبو جهل - و ( المهل ) : المذاب من النّحاس أو الرّصاص أو الذّهب والفضّة أو درديّ الزّيت . لاحظ « أث م ، وم ه ل » . 3 - جاء « الحميم » - وهو الماء الحارّ المغليّ - وكذا « الأكل » في الآيات السّابقة شرابا لهم بعد أن ملؤوا بطونهم أكلا ، من دون أن يكون لهما غليان في البطون ، أمّا في هذه الآيات جعل للمأكول والمشروب الغليان في البطون ، فهذا السّياق أشدّ وآكد في العذاب من تلك الآيات . 4 - وجاء في ذيلها : صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ، وهذا يضاعف في عذابه ؛ حيث إنّه بعد أن ابتلي بغليان الزّقّوم والحميم في بطنه زيد عذابه بصبّ الحميم فوق رأسه تعبيرا عنه ب ( عذاب الحميم ) كأنّهم يصبّون عليه العذاب رأسا دون الحميم ، ليعذّب به . وهذا السّياق أيضا فيه ألوان من المبالغة والتّشديد ، مثل : أمر الملائكة بالصّبّ ، فوق الرّأس ، عذاب الحميم . الآية ( 12 ) وتمامها : فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ