مجمع البحوث الاسلامية
966
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ذلك . 2 - قال الزّمخشريّ : « في قراءة أبيّ ( ولا تحمّل علينا ) بالتّشديد . فإن قلت : أيّ فرق بين هذه الشّديدة والّتي في وَلا تُحَمِّلْنا ؟ قلت : هذه للمبالغة في حمل عليه ، وتلك لنقل حمله من مفعول واحد إلى مفعولين وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من العقوبات النّازلة بمن قبلنا . طلبوا الإعفاء عن التّكليفات الشّاقّة الّتي كلّفها من قبلهم ، ثمّ عمّا نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها . وقيل : المراد به الشّاقّ الّذي لا يكاد يستطاع من التّكاليف ، وهذا تكرير لقوله : وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً . 3 - قال الفخر الرّازيّ : « لقائل أن يقول : دلّت الدّلائل العقليّة والسّمعيّة على أنّه أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين ، فما السّبب في أن شدّد التّكليف على اليهود حتّى أدّى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتّمرّد ؟ قالت المعتزلة : من الجائز أن يكون الشّيء مصلحة في حقّ إنسان مفسدة في حقّ غيره ، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم ، فما كانوا ينصلحون إلّا بالتّكاليف الشّاقّة والشّدّة ، وهذه الأمّة كانت الرّقّة وكرم الخلق غالبا على طباعهم ، فكانت مصلحتهم في التّخفيف وترك التّغليظ . أجاب الأصحاب بأنّ السّؤال الّذي ذكرناه في المقام الأوّل ننقله إلى المقام الثّاني ، فنقول : ولماذا خصّ اليهود بغلظة الطّبع وقسوة القلب ودناءة الهمّة حتّى احتاجوا إلى التّشديدات العظيمة في التّكاليف ؟ ولماذا خصّ هذه الأمّة بلطافة الطّبع وكرم الخلق وعلوّ الهمّة حتّى صار يكفيهم التّكاليف السّهلة في حصول مصالحهم » ؟ ( 22 ) : فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها . . . وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ وفيها بحوث أيضا : 1 - اختلف في الحمل والحامل والمحمول على أقوال ؛ فقيل : حمل الأمانة : التزام القيام بها ، أو أداؤها بطاعة اللّه فيما أمر به وترك ما نهى عنه ، وقيل : خيانتها . وقالوا : حاملها آدم ، أو الكافر والمنافق خاصّة ، أو الإنسان عامّة . وفي المحمول - أي الأمانة - أقوال كثيرة ، راجع « أم ن » . 2 - قال أبو السّعود : « عبّر عن قبولها [ الأمانة ] بالحمل ، لتحقيق معنى الصّعوبة المعتبرة فيها ، بجعلها من قبيل الأجسام الثّقيلة الّتي يستعمل فيها القوى الجسمانيّة الّتي أشدّها وأعظمها ما فيهنّ من القوّة والشّدّة . والمعنى : أنّ تلك الأمانة في عظم الشّأن بحيث لو كلّفت هاتيك الأجرام العظام الّتي هي مثل في القوّة والشّدّة مراعاتها ، وكانت ذات شعور وإدراك ، لأبين قبولها وأشفقن منها . ولكن صرف الكلام عن سننه بتصوير المفروض بصورة المحقّق روما ، لزيادة تحقيق المعنى المقصود بالتّمثيل وتوضيحه . وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي عند عرضها عليه إمّا باعتبارها بالإضافة إلى استعداده أو بتكليفه إيّاها يوم الميثاق ، أي تكلّفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوّة ، وهو إمّا عبارة عن قبوله لها بموجب