مجمع البحوث الاسلامية
96
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ووجوده من موجده لا من نفسه . وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشّاعر ، كلمة لبيد : * ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل * وإليه الإشارة بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ القصص : 88 . الرّابعة : مقابلة الحقّ بالضّلال عرف لغة وشرعا ، كما في هذه الآية وكذلك أيضا مقابلة الحقّ بالباطل عرف لغة وشرعا ، قال اللّه تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ الحجّ : 62 ، والضّلال حقيقته الذّهاب عن الحقّ ، أخذ من ضلال الطّريق وهو العدول عن سمته . . . ( 8 : 335 ) البيضاويّ : أي المتولّي لهذه الأمور المستحقّ للعبادة هو ربّكم الثّابت ربوبيّته ، لأنّه الّذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبّر أموركم . فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ استفهام إنكاريّ أي ليس بعد الحقّ إلّا الضّلال ، فمن تخطّى الحقّ الّذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضّلال . ( 1 : 446 ) النّيسابوريّ : الثّابت ربوبيّته بالوجدان والبرهان . والمراد أنّه لمّا ثبت وجود الواجب الحقّ كان ما سواه ممكنا لذاته ، باطلا دعوى الإلهيّة فيه ، لأنّ واجب الوجود يجب أن يكون واحدا في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته ، وإلّا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه ، فلا يكون واجبا غير محال ، ولذا ختم الآية بقوله : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ . ( 11 : 80 ) أبو السّعود : وقوله تعالى : ( الحقّ ) صفة له ، أي ربّكم الثّابت ربوبيّته والمتحقّق ألوهيّته تحقّقا لا ريب فيه . . . بَعْدَ الْحَقِّ أي غيره بطريق الاستعارة . وإظهار الحقّ إمّا لأنّ المراد به غير الأوّل ، وإمّا لزيادة التّقرير ومراعاة كمال المقابلة بينه وبين الضّلال ، والاستفهام إنكاريّ بمعنى الوقوع ونفيه ، أي ليس غير الحقّ إلّا الضّلال الّذي لا يختاره أحد ؛ فحيث ثبت أنّ عبادة من هو منعوت - بما ذكر من النّعوت الجميلة - حقّ ، ظهر أنّ ما عداها من عبادة الأصنام ضلال محض ؛ إذ لا واسطة بينهما . وإنّما سمّيت ضلالا مع كونها من أعمال الجوارح ، باعتبار ابتنائها على ما هو ضلال من الاعتقاد والرّأي . هذا على تقدير كون ( الحقّ ) عبارة عن التّوحيد ، وأمّا على تقدير كونه عبارة عن الأوّل ، فالمراد بالضّلال : هو الأصنام لا عبادتها ، والمعنى فما ذا بعد الرّبّ الحقّ الثّابت ربوبيّته إلّا الضّلال ، أي الباطل الضّائع المضمحلّ ، وإنّما سمّي بالمصدر مبالغة كأنّه نفس الضّلال والضّياع . وهذا أنسب بقوله تعالى : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ يونس : 30 ، على التّفسير الثّاني . ( 3 : 236 ) نحوه ملخّصا البروسويّ . ( 4 : 43 ) الآلوسيّ : فذلكة لما تقرّر ، والإشارة إلى المتّصف بالصّفات السّابقة حسبما اعترفوا به . وهي مبتدأ والاسم الجليل صفة له ، و ( ربكم ) خبر ، و ( الحقّ ) خبر بعد خبر أو صفة ، أو خبر مبتدإ محذوف . ويجوز أن يكون الاسم الجليل هو الخبر ، و