مجمع البحوث الاسلامية
926
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأوّل : لا تشدّد علينا في التّكاليف كما شدّدت على من قبلنا من اليهود . قال المفسّرون : إنّ اللّه تعالى فرض عليهم خمسين صلاة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزّكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها ، وكانوا إذا نسوا شيئا عجّلت لهم العقوبة في الدّنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرّم عليهم من الطّعام بعض ما كان حلالا لهم . قال اللّه تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ النّساء : 160 ، وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ النّساء : 66 ، وقد حرّم على المسافرين من قوم طالوت الشّرب من النّهر ، وكان عذابهم معجّلا في الدّنيا ، كما قال : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً النّساء : 47 ، وكانوا يمسخون قردة وخنازير . قال القفّال : ومن نظر في السّفر الخامس من التّوراة الّتي تدّعيها هؤلاء اليهود ، وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق ، ورأى الأعاجيب الكثيرة ، فالمؤمنون سألوا ربّهم أن يصونهم عن أمثال هذه التّغليظات ، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم . قال اللّه تعالى في صفة هذه الأمّة : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الأعراف : 157 ، وقال عليه السّلام : « رفع عن أمّتي المسخ والخسف والغرق » وقال اللّه تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الأنفال : 33 ، وقال عليه الصّلاة والسّلام : « بعثت بالحنيفيّة السّهلة السّمحة » والمؤمنون إنّما طلبوا هذا التّخفيف ، لأنّ التّشديد مظنّة التّقصير . والتّقصير موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب اللّه تعالى ، فلا جرم طلبوا السّهولة في التّكاليف . والقول الثّاني : لا تحمل علينا عهدا وميثاقا يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشّدّة ، وهذا القول يرجع إلى الأوّل في الحقيقة . لكن بإضمار شيء زائد على الملفوظ ، فيكون القول الأوّل أولى . المسألة الثّالثة : لقائل أن يقول : دلّت الدّلائل العقليّة والسّمعيّة على أنّه أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين ، فما السّبب في أن شدّد التّكليف على اليهود حتّى أدّى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتّمرّد ؟ قالت المعتزلة : من الجائز أن يكون الشّيء مصلحة في حقّ إنسان ، مفسدة في حقّ غيره ، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم ، فما كانوا ينصلحون إلّا بالتّكاليف الشّاقّة والشّدّة ، وهذه الأمّة كانت الرّقّة وكرم الخلق غالبا على طباعهم ، فكانت مصلحتهم في التّخفيف وترك التّغليظ . أجاب الأصحاب بأنّ السّؤال الّذي ذكرناه في المقام الأوّل ننقله إلى المقام الثّاني ، فنقول : ولماذا خصّ اليهود بغلظة الطّبع وقسوة القلب ودناءة الهمّة حتّى احتاجوا إلى التّشديدات العظيمة في التّكاليف ؟ ولماذا خصّ هذه الأمّة بلطافة الطّبع وكرم الخلق وعلوّ الهمّة حتّى صار يكفيهم التّكاليف السّهلة في حصول مصالحهم ؟ ومن تأمّل وأنصف علم أنّ هذه التّعليلات عليلة فجلّ جناب الجلال ، عن أن يوزن بميزان الاعتزال ، وهو