مجمع البحوث الاسلامية

91

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

باطلا ، فصحّ اعتبار انحصار الحقّيّة فيه انحصارا إضافيّا ، إلّا أنّه لا داعي إليه ، لولا أنّهم أرادوا حكاية الكلام الّذي يبطلونه . وهذا الدّعاء كناية منهم عن كون القرآن ليس كما يوصف به ، للتّلازم بين الدّعاء على أنفسهم وبين الجزم بانتفاء ما جعلوه سبب الدّعاء ، بحسب عرف كلامهم واعتقادهم . و مِنْ عِنْدِكَ حال من ( الحقّ ) ، أي منزلا من عندك ، فهم يطعنون في كونه حقّا وفي كونه منزلا من عند اللّه . ( 9 : 85 ) الطّباطبائيّ : قوله : إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ يدلّ بلفظه على أنّ الّذي سمعوه من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بلسان القال أو الحال بدعوته ، هو قوله : « هذا هو الحقّ من عند اللّه » وفيه شيء من معنى الحصر ، وهذا غير ما كان يقوله لهم : هذا حقّ من عند اللّه . فإنّ القول الثّاني يواجه به الّذي لا يرى دينا سماويّا ونبوّة إلهيّة ، كما كان يقوله المشركون وهم الوثنيّة : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ الأنعام : 91 . وأمّا القول الأوّل فإنّما يواجه به من يرى أنّ هناك دينا حقّا من عند اللّه ورسالة إلهيّة يبلغ الحقّ من عنده ، ثمّ ينكر كون ما أتى به النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو بعض ما أتى به هو الحقّ من عند اللّه تعالى ، فيواجه بأنّه هو الحقّ من عند اللّه لا غيره ، ثمّ يردّ بالاشتراط في مثل قوله : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . فالأشبه أن لا يكون هذا حكاية عن بعض المشركين بنسبته إلى جميعهم ، لاتّفاقهم في الرّأي أو رضا جميعهم بما قاله هذا القائل ، بل كأنّه حكاية عن بعض أهل الرّدّة ممّن أسلم ثمّ ارتدّ ، أو عن بعض أهل الكتاب المعتقدين بدين سماويّ حقّ ، فافهم ذلك . ( 9 : 67 ) مكارم الشّيرازيّ : والآية تتحدّث عن منطق عجيب آخر ، فتقول : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ . . . لقد كانوا يقولون ذلك لشدّة تعصّبهم وعنادهم ، وكانوا يتصوّرون أنّ الدّين الإسلاميّ لا أساس له أبدا ، وإلّا فإنّ أحدا يحتمل حقّانيّة الإسلام كيف يمكنه أن يدعو على نفسه بمثل هذا الدّعاء ! كما يرد هذا الاحتمال ، وهو أنّ شيوخ المشركين وسادتهم كانوا يقولون ذلك الكلام لتضليل النّاس ، وليثبتوا لبسطائهم أنّ رسالة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله باطلة تماما ، مع أنّهم في الوقت ذاته لم تكن قلوبهم معتقدة بهذا الاعتقاد الجاري على ألسنتهم . وكأنّهم - أي المشركين - يريدون أن يقولوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : إنّك تتكلّم عن الأنبياء السّابقين ، وإنّ اللّه قد أهلك أعداءهم بحجارة أمطرها عليهم ، كما هي الحال في شأن قوم لوط ، فإن كنت صادقا فيما تقول فامطر علينا حجارة من السّماء . وقد ورد عن الإمام الصّادق عليه السّلام في « مجمع البيان » أنّه لمّا نصب رسول اللّه عليّا عليه السّلام يوم غدير خمّ ، وقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، طار ذلك في البلاد ، فقدم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله النّعمان بن الحارث الفهريّ ، فقال : أمرتنا