مجمع البحوث الاسلامية
65
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
غيرها ، لأنّها بقرة عوان صفراء غير مذلّلة بالعمل . قال القاضي : قوله تعالى : الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ كفر من قبلهم لا محالة ، لأنّه يدلّ على أنّهم اعتقدوا فيما تقدّم من الأوامر أنّها ما كانت حقّة . وهذا ضعيف ، لاحتمال أن يكون المراد : الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتّى تميّزت من غيرها ، فلا يكون كفرا . ( 3 : 121 ) أبو حيّان : ولا يراد ب ( جئت ) أنّه كان غائبا فجاء ، وإنّما مجازه : نطقت بالحقّ ، ف ( بالحقّ ) متعلّق ب ( جئت ) على هذا المعنى ، أو تكون الباء للتّعدية ، فكأنّه قال : أجئت الحقّ ، أي إنّ الحقّ كان لم يجئنا فأجئته ، وهنا وصف محذوف تقديره : بالحقّ المبين ، أي الواضح الّذي لم يبق معه إشكال ، واحتيج إلى تقدير هذا الوصف ، لأنّه في كلّ محاورة حاورها معهم جاء بالحقّ ، فلو لم يقدّر هذا الوصف لما كان لتقييدهم مجيئه بالحقّ بهذا الطّرف الخاصّ فائدة . وقد ذهب قتادة إلى أنّه لا وصف محذوف هنا ، وقال : كفروا بهذا القول ، لأنّ نبيّ اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى نبيّنا أفضل الصّلاة والسّلام - كان لا يأتيهم إلّا بالحقّ في كلّ وقت . وقالوا : ومعنى ( بالحقّ ) بحقيقة نعت البقرة ، وما بقي فيها إشكال . ( 1 : 257 ) أبو السّعود : أي بحقيقة وصف البقرة ؛ بحيث ميّزتها عن جميع ما عداها . ولم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا ، بخلاف المرّتين الأوليين ، فإنّ ما جئت به فيهما لم يكن في التّعيين بهذه المرتبة . ولعلّهم كانوا قبل ذلك قد رأوها ووجدوها جامعة لجميع ما فصّل من الأوصاف المشروحة في المرّات الثّلاث ، من غير مشارك لها فيما عدّ في المرّة الأخيرة ، وإلّا فمن أين عرفوا اختصاص النّعوت الأخيرة بها دون غيرها . ( 1 : 146 ) الآلوسيّ : أي أظهرت حقيقة ما أمرنا به . ف ( الحقّ ) هنا بمعنى الحقيقة ، وقيل : بمعنى الأمر المقضيّ أو اللّازم ، وقيل : بمعنى القول المطابق للواقع . ولم يريدوا أنّ ما سبق لم يكن حقّا بل أرادوا أنّه لم يظهر الحقّ به كمال الظّهور . فلم يجئ بالحقّ ، بل ما أومأ إليه ، فعلى هذه الأقوال لم يكفروا بهذا القول . وأجراه قتادة على ظاهره ، وجعله متضمّنا أنّ ما جئت به من قبل كان باطلا ، فقال : إنّهم كفروا بهذا القول ، والأولى عدم الإكفار . ( 1 : 291 ) ابن عاشور : أرادوا ب ( الحقّ ) الأمر الثّابت الّذي لا احتمال فيه ، كما تقول جاء بالأمر على وجهه ، ولم يريدوا من الحقّ ضدّ الباطل ، لأنّهم ما كانوا يكذّبون نبيّهم . فإن قلت : لماذا ذكر هنا بلفظ ( الحقّ ) ؟ وهلّا قيل قالوا : الْآنَ جِئْتَ بالبيان أو بالثّبت ؟ قلت : لعلّ الآيد حكت معنى ما عبّر عنه اليهود لموسى بلفظ هو في لغتهم محتمل للوجهين ، فحكى بما يرادفه من العربيّة ، تنبيها على قلّة اهتمامهم بانتفاء الألفاظ النّزيهة ، في مخاطبة أنبيائهم وكبرائهم ، كما كانوا يقولون للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : ( راعنا ) فنهينا نحن عن أن نقوله بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا