مجمع البحوث الاسلامية

611

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يستقيم بهذا التّفسير ، مع ملحظ من مدلول الاستحلال لحرمة الرّسول في هذا البلد ، لافت إلى الأحوال الشّاخصة لهذا البلد وأهله ، فكلّ ما يقع على الرّسول من إيذاء حاضر مشهود ، يعانيه صلّى اللّه عليه وسلّم ويكابده ؛ إذ هو موضع الأذى والاضطهاد بمكّة ، وهو مقيم بها . وإنّها ، لكما قال المصطفى يوم الهجرة : « لأحبّ أرض اللّه إلى اللّه ورسوله » . وبهذا الفهم نستبعد معنى الإحلال ضدّ الإحرام لظهور ضعفه ؛ إذ ليس له سياق ولا مناسبة ، ولا الأذهان متّجهة إليه في هذا المقام . كما نستبعد أن يكون حلّ بمعنى مستحلّ له هذا البلد يفعل به بعد الفتح ما شاء ، لظهور تكلّفه ، فضلا عن كون الصّيغة لا تقبل هذا المعنى لغويّا ؛ إذ يقتضي أن يكون محلّ من حلّ ، وليس الاشتقاق . وتفسير الحلّ بالإقامة ، وهو المعنى المتبادر ، أو بجعل أذى الرّسول حلالا - وهو أكثر استعمال القرآن للمادّة - يبدو قويّ الصّلة بالآيات التّالية ، على وجه لا نضطرّ معه إلى تمزيق السّياق أو الإبعاد في التّكلّف ، وبخاصّة حين تحمل آية وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ على الحاليّة ، وهو ما ذهب إليه أبو حيّان ؛ وليس على الاعتراض كما قال الزّمخشريّ ، وتابعه على ذلك الشّيخ محمّد عبده فقال : « واعترض بها بين العاطف والمعطوف ، ليفيد أنّ مكّة عظيم شأنها جليل قدرها في جميع الأحوال » . والقول بهذا الاعتراض يغيب عنه ما في الحاليّة من قوّة الرّبط وتقرير الصّلة بين الآيتين ؛ إذ تكون الثّانية قيدا للأولى ، ووصلا لها بالآية التّالية . ( 1 : 176 ) حلّا كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ . . . آل عمران : 93 ابن عبّاس : كلّ طعام حلال اليوم على محمّد وأمّته ، كان حلالا على بني إسرائيل أولاد يعقوب . ( 52 ) ابن قتيبة : أي حلالا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ومثله : الحرم والحرام ، واللّبس واللّباس . ( 107 ) نحوه ابن عطيّة ( 1 : 472 ) ، والقرطبيّ ( 4 : 134 ) . الزّمخشريّ : والحلّ : مصدر ، يقال : حلّ الشّيء حلّا ، كقولك : ذلّت الدّابّة ذلّا ، وعزّ الرّجل عزّا . وفي حديث عائشة رضي اللّه عنها : « كنت أطيّبه لحلّه وحرمه » ولذلك استوى في الوصف به المذكّر والمؤنّث ، والواحد والجمع ، قال اللّه تعالى : لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ . ( 1 : 445 ) نحوه البيضاويّ ( 1 : 171 ) ، والنّسفيّ ( 1 : 169 ) ، والنّيسابوريّ ( 4 : 7 ) ، وأبو حيّان ( 3 : 3 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 232 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 3 ) . الفخر الرّازيّ : [ مثل الزّمخشريّ وأضاف : ] والوصف بالمصدر يفيد المبالغة ، فهاهنا الحلّ والحلال والمحلّل واحد ، قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما في زمزم : هي حلّ وبلّ ، رواه سفيان بن عيينة . فسأل سفيان : ما حلّ ؟ فقال : محلّل . ( 8 : 148 )