مجمع البحوث الاسلامية
608
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
للسّاكن فيه . وجوّز أن يكون « الحلّ » على نحو ما ذكر في هذا الوجه ، لكنّ المعنى وأنت حلّ بهذا البلد ممّا يقترفه أهله من المآثم متخرّج بريء منها . والمعنى في الإقسام ب ( البلد ) تعظيمه ، وفي الاعتراض ترشيح التّعظيم والتّشريف ، بكون مثله صلّى اللّه عليه وسلّم في جلالة القدر ومنصب النّبوّة ساكنا فيه ، مباينا لما عليه الغاغة والهمج ، والفائدة فيه تأكيد المقسم عليه بأنّهم من أهل الطّبع ، فلا ينفعهم شرف مكان والمتمكّن فيه ، كأنّه قيل : أقسم بهذا البلد الطّيّب بنفسه وبمن سكن فيه ، أنّ أهله لفي مرض قلب وشكّ لا يقادر قدره . وقيل : « الحلّ » صفة أو مصدر بمعنى الحالّ ، يقال : حلّ ، أي نزل يحلّ حلّا وحلولا . ويقال أيضا : هو حلّ بموضع كذا ، كما يقال : حالّ به . والقول بأنّ الصّفة من الحلول حالّ لا حلّ - ومصدر حلّ بمعنى نزل الحلول ، والحلّ بفتح الحاء والحلل فقط - ناشئ من قلّة التّتبّع . والاعتراض لتشريفه صلّى اللّه عليه وسلّم بجعل حلوله عليه الصّلاة والسّلام مناطا لإعظام البلد بالإقسام به . وجعل بعض الأجلّة الجملة على هذا الوجه حالا من هذَا الْبَلَدِ وكذا جعلها بعضهم حاليّة على الوجهين قبل ، إلّا أنّ الحال على ثانيهما مقارنة ، وعلى أوّلهما مقدّرة أو مقارنة إن قيل : إنّ النّزول ساعة أحلّت مكّة . وجعلها ابن عطيّة حالا على الوجه الأوّل أيضا ، أعني كون الحلّ بمعنى المستحلّ ، لكن قيّده بكون ( لا ) نافية غير زائدة فتأمّل . وأيّا مّا كان ففي الإشارة وإقامة الظّاهر مقام الضّمير من تعظيم البلد ما فيهما . ( 30 : 133 ) محمّد عبده : إنّ حلّا هنا بمعنى الحلال لا بمعنى الحلول ، أي إنّ أهل مكّة استحلّوا إيذاء الرّسول في البلد الأمين حتّى اضطرّوه إلى الهجرة منه . ( مغنيّة 7 : 566 ) عزّة دروزة : تعدّدت أقوال المفسّرين في تأويل الكلمة ، من أنّها بمعنى الحالّ المقيم ، وأنّ الآية بسبيل التّنويه بشرف مكّة بحلول النّبيّ عليه السّلام أو بعثته فيها . ومن ذلك التّحليل ضدّ التّحريم ، وأنّ الآية بسبيل التّنديد بأهل مكّة الّذين يستحلّون أذى النّبيّ والمؤمنين وإخراجهم ، ومناوأة دعوة اللّه في البلد الّذي حرّم فيه الظّلم . ومن ذلك أنّ النّبيّ في حلّ ممّا يفعله في مكّة ، ممّا هو محرّم على غيره من قتال . ونحن نرجّح المعنى الأوّل ، لأنّه متساوق مع مفهوم القسم الّذي بدأت به السّورة ، فاللّه سبحانه يقسم بمكّة الّتي شرّفها اللّه بحلول النّبيّ أو بعثته فيها ، أمّا الرّأي الثّالث فقد ذكره معظم المفسّرين ناقلا بعضهم عن بعض على الأغلب ، ورغم ذلك نراه غريبا ، فإنّ تحليل اللّه القتال لنبيّه في مكّة كان في السّنة الثّامنة للهجرة في سياق فتحها ، وبين هذه السّورة وذلك الحادث سنون طويلة . ( 2 : 49 ) مغنيّة : الخطاب لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ، و ( حلّ ) أي حالّ ومقيم ، والواو للحال ، وعليه يكون القسم بمكّة مقيّدا بإقامة الرّسول فيها ، إشعارا بأنّ مكّة زادت رفعة بمولده وإقامته . [ ثمّ ذكر قول عبده وقال : ]