مجمع البحوث الاسلامية

591

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أبو حيّان : [ ذكر وجه انتصاب ( غير ) على الحاليّة وأقوال المتقدّمين فيه ، ثمّ ردّ عليهم فقال : ] وقال ابن عطيّة : « وقد خلط النّاس في هذا الموضع في نصب ( غير ) وقدّروا تقديمات وتأخيرات وذلك كلّه غير مرضيّ ، لأنّ الكلام على اطراده متمكّن استثناء بعد استثناء » . وهو أيضا ممّن خلط على ما سنوضّحه . فأمّا قول الأخفش ففيه الفصل بين ذي الحال والحال بجملة اعتراضيّة ، بل هي منشئة أحكاما ، وذلك لا يجوز ، وفيه تقييد الإيفاء بالعقود بانتفاء إحلال الموفين الصّيد وهم حرم ، وهم مأمورون بإيفاء العقود بغير قيد ، ويصير التّقدير : أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلّين الصّيد وأنتم حرم ، وهم قد أحلّت لهم بهيمة الأنعام أنفسها . وإن أريد به الظّباء وبقر الوحش وحمره ، فيكون المعنى : وأحلّ لكم هذه في حال انتفاء كونكم محلّين الصّيد وأنتم حرم ، وهذا تركيب قلق معقّد ينزّه القرآن أن يأتي فيه مثل هذا ، ولو أريد بالآية هذا المعنى لجاء على أفصح تركيب وأحسنه . وأمّا قول من جعله حالا من الفاعل وقدّره : وأحلّ اللّه لكم بهيمة الأنعام غير محلّ لكم الصّيد وأنتم حرم ، قال : كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيحة لك يوم الجمعة ، فهو فاسد ، لأنّهم نصّوا على أنّ الفاعل المحذوف في مثل هذا التّركيب يصير نسيا منسيّا ، ولا يجوز وقوع الحال منه ، لو قلت : أنزل المطر للنّاس مجيبا لدعائهم ؛ إذ الأصل : أنزل اللّه المطر مجيبا لدعائهم لم يجز ، وخصوصا على مذهب الكوفيّين ومن وافقهم من البصريّين ، لأنّ صيغة الفعل المبنيّ للمفعول صيغة وضعت أصلا كما وضعت صيغته مبنيّا للفاعل ، وليست مغيّرة من صيغة بنيت للفاعل ، ولأنّه يتقيّد إحلاله تعالى بهيمة الأنعام إذا أريد بها ثمانية الأزواج بحال انتفاء إحلاله الصّيد وهم حرم ، وهو تعالى قد أحلّها في هذه الحال وفي غيرها . وأمّا ما نقله القرطبيّ عن البصريّين ، فإن كان النّقل صحيحا فهو يتخرّج على ما سنوضّحه إن شاء اللّه تعالى . فنقول : إنّما عرض الإشكال في الآية من جعلهم غير محلّي الصّيد حالا من المأمورين بإيفاء العقود ، أو من المحلّل لهم ، أو من المحلّل وهو اللّه تعالى ، أو من المتلوّ عليهم . وغرّهم في ذلك كونه كتب ( محلّي ) بالياء ، وقدّروه هم أنّه اسم فاعل من أحلّ ، وأنّه مضاف إلى الصّيد إضافة اسم الفاعل المتعدّي إلى المفعول ، وأنّه جمع حذف منه النّون للإضافة ، وأصله : غير محلّين الصّيد وأنتم حرم إلّا في قول من جعله حالا من الفاعل المحذوف ، فلا يقدّر فيه حذف النّون بل حذف التّنوين . وإنّما يزول الإشكال ويتّضح المعنى بأن يكون قوله : مُحِلِّي الصَّيْدِ من باب قولهم : حسان النّساء ، والمعنى : النّساء الحسان ، وكذلك هذا أصله : غير الصّيد المحلّ ، والمحلّ صفة للصّيد لا للنّاس ولا للفاعل المحذوف . ووصف الصّيد بأنّه محلّ على وجهين : أحدهما : أن يكون معناه دخل في الحلّ ، كما تقول : أحلّ الرّجل ، أي دخل في الحلّ ، وأحرم : دخل في الحرم . والوجه الثّاني : أن يكون معناه صار ذا حلّ ، أي