مجمع البحوث الاسلامية

52

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أحدها : هذه الإضافة ، كما أضاف الجانب إلى الغربيّ في قوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ القصص : 44 ، وأضاف الدّار إلى الآخرة في قوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ يوسف : 109 ، غير أنّ المقدّر هنا غير ظاهر ، فإنّ شرط ذلك أن يكون بحيث يوصف باليقين ، ويضاف إليه الحقّ ، وما يوصف باليقين بعد إضافة الحقّ إليه . وثانيها : أنّه من الإضافة الّتي بمعنى « من » كما يقال : باب من ساج وباب ساج . وخاتم من فضّة وخاتم فضّة ، فكأنّه قال : لهو الحقّ من اليقين . ثالثها : وهو أقرب منها ما ذكره ابن عطيّة : أنّ ذلك نوع تأكيد ، يقال : هذا من حقّ الحقّ ، وصواب الصّواب ، أي غايته ونهايته الّتي لا وصول فوقه . والّذي وقع في تقرير هذا أنّ الإنسان أظهر ما عنده الأنوار المدركة بالحسّ ، وتلك الأنوار أكثرها مشوبة بغيرها ، فإذا وصل الطّالب إلى أوّله يقول : وجدت أمر كذا ، ثمّ إنّه مع صحّة إطلاق اللّفظ عليه لا يتميّز عن غيره ، فيتوسّط الطّالب ويأخذ مطلوبه من وسطه . مثاله : من يطلب الماء ، ثمّ يصل إلى بركة عظيمة ، فإذا أخذ من طرفه شيئا يقول : هو ماء ، وربّما يقول قائل آخر : هذا ليس بماء ، وإنّما هو طين ، وأمّا الماء ما أخذته من وسط البركة ، فالّذي في طرف البركة ماء بالنّسبة إلى أجسام أخرى ، ثمّ إذا نسب إلى الماء الصّافي ربّما يقال له : شيء آخر ، فإذا قال : هذا هو الماء حقّا ، يكون قد أكّد ، وله أن يقول : حقّ الماء ، أي الماء حقّا هذا ؛ بحيث لا يقول أحد : فيه شيء ، فكذلك هاهنا ، كأنّه قال : هذا هو اليقين حقّا لا اليقين الّذي يقول بعض : إنّه ليس بيقين . ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يقال : الإضافة على حقيقتها ، ومعناه أنّ هذا القول لك با محمّد وللمؤمنين ، وحقّ اليقين أن تقول كذا ، ويقرب من هذا ما يقال : حقّ الكمال أن يصلّي المؤمن ، وهذا كما قيل في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلّا اللّه ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها » أنّ الضّمير راجع إلى الكلمة أي إلّا بحقّ الكلمة ، من حقّ الكلمة أداء الزّكاة والصّلاة ، فكذلك حَقُّ الْيَقِينِ أن يعرف ما قاله اللّه تعالى في الواقعة في حقّ الأزواج الثّلاثة . وعلى هذا معناه : أنّ اليقين لا يحقّ ولا يكون إلّا إذا صدق فيما قاله بحقّ ، فالتّصديق حقّ اليقين الّذي يستحقّه . ( 29 : 203 ) القرطبيّ : أي هذا الّذي قصصناه محض اليقين وخالصه ، وجاز إضافة ( الحقّ ) إلى ( اليقين ) وهما واحد ، لاختلاف لفظهما . قال المبرّد : هو كقولك : عين اليقين ومحض اليقين ، فهو من باب إضافة الشّيء إلى نفسه عند الكوفيّين . وعند البصريّين : حقّ الأمر اليقين أو الخبر اليقين . وقيل : هو توكيد ، وقيل : أصل اليقين أن يكون نعتا للحقّ ، فأضيف المنعوت إلى النّعت على الاتّساع والمجاز ، كقوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ يوسف : 109 . ( 17 : 234 ) النّيسابوريّ : أي الحقّ الثّابت من اليقين ، وهو علم يحصل به ثلج الصّدر ، ويسمّى ببرد اليقين ، وقد