مجمع البحوث الاسلامية
511
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
كما أنّه يعلم من ( 42 ) لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أنّ القضاء يحتاج إلى إعمال الرّأي والتّفرّس في تشخيص الحقّ بتوفيق من اللّه وهدايته ، حتّى للنّبيّ عليه السّلام ، فعلى القضاة استصواب الرّأي من اللّه تعالى . 4 - وقد جاء التّحكيم في آيتين : ( 49 ) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ، و ( 57 ) « حتى يحكمونك » وجاء التّحاكم في آية ( 56 ) يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ، والأولى في اليهود ، والأخيرتان في المنافقين ، وأمّا غيرها من الآيات ففي النّاس والمؤمنين ، فلاحظ سياقها . 5 - والآية ( 57 ) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ، دالّة على أشقّ التّكاليف - كما قال أستاذنا الشّيخ هاشم القزوينيّ رضى اللّه عنه - لأنّها قيّدت الإيمان بأن لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضى النّبيّ عليه السّلام ، وهذا صعب على النّفوس ، فهي تحمل علامة إزالة جرثومة النّفاق رأسا عن النّفوس . 6 - وهذه الآيات كلّها مدنيّة سوى ( 40 ) الرّاجعة إلى داود النّبيّ عليه السّلام ، والباقي راجع إلى النّبيّ والمؤمنين في المدينة ، ولم يحكم النّبيّ عليه السّلام بحكم في مكّة ، إذ لم يكن له حكم وولاية فيها ، بل كان له الأمر والنّهي في المدينة ، فكانت هي دار الولاية والتّشريع والقضاء وهي من شؤون وليّ الأمر ، ومن بيده زمام الأمور ، فالقضاء فرع التّشريع . مع أنّ آيتين ( 44 و 45 ) جائتا في الحكم بين اليهود ، والمنافقين ، وقد ابتلي النّبيّ عليه السّلام بكلا الفريقين في المدينة . 7 - آيات المائدة ( 48 إلى 55 ) نزلت في الحكم بين طائفتين من اليهود : بني قريظة وبني النّضير بالرّجم في الزّنى ، أو في دية القتيل على اختلاف وتفصيل عن ابن عبّاس وغيره جاء في النّصوص ، فرجعوا إلى النّبيّ عليه السّلام وقد خيّر بين الحكم بالقسط بينهم ، وبين الإعراض عنهم في ( 48 ) فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . وبعدها : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ . . . ، فهذا صريح في أنّ الآيات راجعة إلى اليهود ، وقد وردت فيها الأحاديث أيضا منها حديث عن الإمام الباقر عليه السّلام الآتي . فالعجب من النّخعيّ والشّعبيّ حيث خصّا هذه الآية بالمشركين ، فلاحظ النّصوص . 8 - صريح هذه الآية التّخيير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم ، لكن عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما أنّ هذا الحكم منسوخ ، وأنّه يجب الحكم بينهم إذا رجعوا إلى المسلمين ، ولم يقم شاهد على النّسخ سوى أنّ مقاتل استشهد للنّسخ بقوله في ذيلها ( 54 ) فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ، مع أنّها متّصل بما قبلها ، وليس فيها نسخ ، بل تصريح بأنّه إذا حكم بينهم فليحكم بما أنزل اللّه ، ولا يتّبع أهواءهم . واستصوب الطّبريّ بقاء التّخيير ونفى دلالة ذيلها