مجمع البحوث الاسلامية
509
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قضائه بينهم ، دون تشريع حكم لهم مع أنّه لا تكليف ولا تشريع في الآخرة ، وإنّما هي دار الجزاء ، والدّنيا دار التّكليف والعمل . وقد جاء الحكم في أكثرها بلفظ المصدر في جملة اسميّة الدّالّة على الدّوام والحصر كما سبق . وجاء بصيغة التّفضيل وصفا للّه في خمس آيات : ثلاث منها ( 34 - 36 ) بلفظ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ، * ولها نظير في القرآن ، مثل : خَيْرُ الرَّازِقِينَ * المؤمنون : 73 ، وسبأ : 39 ، و خَيْرُ النَّاصِرِينَ آل عمران : 150 . لاحظ خ ي ر : « خير » . واثنتان منها ( 37 و 38 ) بلفظ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ، * ونظيرهما أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * الأعراف : 151 ، والأنبياء : 83 ، ومعناهما واحد ، وهما آكد في الحصر من غيرهما . إلّا أنّ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ * جاء في سياقين : خبرا ( 37 ) وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ، واستفهاما إقراريّا ( 38 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ . 4 - وقد تعلّق الحكم في 11 آية منها ( 19 و 25 - 34 ) ب ( بين ) يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أو يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ * ونحوهما ، تنبيها على أنّ المراد بالحكم فيها القضاء بينهم دون التّشريع لهم ، وهو مراد في سائر الآيات الّتي خلت من لفظة ( بين ) ، ويؤيّدها قوله : فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، * ونحوها في ستّة منها ( 26 - 28 ) و ( 30 و 31 و 33 ) . 5 - واستثنى منها ثلاث آيات حيث يترائى أنّها ليست قضاء في الآخرة : أولاها : ( 20 ) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ، فيتبادر الذّهن إلى أنّ المراد بها اختلافهم في حكم شرعيّ فتعدّ من آيات التّشريع ، أو اختلافهم في أمر دنيويّ كالمال فتندرج في آيات القضاء بين النّاس . لكنّ ما قبلها يشعر بأنّها في حقل العقيدة : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وكذلك بعدها : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . ثانيتها : ( 36 ) نقلا عن الأخ الأكبر ليوسف - حيث استيئسوا من ردّ أخيهم الّذي أتّهم بالسّرقة ، فأخذه يوسف عنده - : قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ . فاختلفوا في تفسير أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بما لا يمسّ القضاء في الآخرة ، فقال الطّبرسيّ ( 5 : 254 ) : « يحكم اللّه لي بالخروج وترك أخي هاهنا . وقيل : بالموت ، وقيل : بما يكون عذرا لنا عند أبينا ، عن أبي مسلم . وقيل : بالسّيف حتّى أحارب من حبس أخي ، عن الجبّائيّ » . والظّاهر عندنا حتّى أموت ويحكم اللّه لي بالجنّة أو النّار ، ويؤيّده ما بعدها وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ، فهذا السّياق - كما سبق - جاء دائما بشأن الآخرة . وثالثها : ( 37 ) : وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ