مجمع البحوث الاسلامية
491
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عقائدهم الدّينيّة عليها . وهذا ما نلاحظه في المحاولات الّتي حاول فيها نصارى نجران - حسب الرّواية السّابقة - الاستفادة من « كلمة اللّه وروحه » الواردة في القرآن ، في الحديث عن السّيّد المسيح ، للاحتجاج على بعض عقائدهم في « التّثليث » و « ألوهيّة المسيح » ، من دون ملاحظة للآيات الأخرى المصرّحة بنفي الألوهيّة والتّثليث معا ، واعتبار الاعتقاد بهما كفرا مرفوضا في الإيمان الإسلاميّ . وهذا ما يحاوله البعض من علماء النّصارى من اعتبار الإسلام بدعة نصرانيّة ، وتأويل النّصوص القرآنيّة لمصلحة العقيدة النّصرانيّة ، للإيحاء بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله كان نصرانيّا مبتدعا ، يستوحي الإنجيل في قرآنه بطريقة معيّنة لا تبتعد عن العقيدة النّصرانيّة الأمّ ، وذلك بالتّلاعب على الألفاظ بتفسيرها بطريقة معيّنة ، أو تحويرها لشكل معيّن . وهذا ما نلاحظه في المداخلات الّتي يقوم بها العلمانيّون المسلمون ، الّذين يحاولون إخضاع القرآن للكثير من أفكارهم العلمانيّة وللخطوط الفكريّة الغربيّة الحديثة ، بما يبرّر الكثير من التّشريعات والمفاهيم والخطوط الفكريّة والعمليّة . [ إلى أن قال : ] وقفة مع صاحب « الميزان » : وقد وافقهم في هذا الرّأي صاحب تفسير « الميزان » ، الّذي يرى أنّ المعنى في الآية : « أنّ النّاس في الأخذ بالكتاب قسمان : فمنهم من يتّبع ما تشابه منه ، ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شيء منه : آمنّا به ، كلّ من عند ربّنا ، وإنّما اختلفا لاختلافهم من جهة زيغ القلب ورسوخ العلم » . ولكنّنا نلاحظ على كلامه ، بالإضافة إلى ما قدّمناه في صدر تفسير الآية ، أنّ الإشكال على حديثه عن سياق الآية جاء على تقسيم النّاس من الكتاب إلى جماعة تتّبع المتشابه لاستغلاله في غير الحقّ ، من خلال زيغ قلوبهم وانحرافهم عن خطّ الاستقامة ، وجماعة ثابتة على اتّباع المحكم ، والإتيان بالمتشابه لرسوخ في علمهم ، ويستفاد من الآية - كما ذكرنا ذلك - أنّ القصد الأوّل في ذكر الرّاسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ، ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزّائغين وطريقتهم وذمّهم ، والزّائد على هذا القدر خارج عن القصد الأوّل ، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتّأويل مع ذلك . ولكنّه لا يمانع من أنّ الرّاسخين في العلم قد يعلمون معنى المتشابه على طريقة الاستثناء من القاعدة ، فإنّ « العلم بالتّأويل مقصور في الآية عليه تعالى ، ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه ، كما أنّ الآيات دالّة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه ، كما في قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ الجنّ : 26 ، 27 ، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بعينهم ؛ إذ لا منافاة بين أن تدلّ هذه الآية على شأن من شؤون الرّاسخين في العلم ، وهو الوقوف عند الشّبهة والتّسليم في مقابل الزّائغين قلبا ، وبين أن تدلّ آيات